فهرسة

 

 

فيصل الحسيني المسكون بهاجس حب الوطن

زينب حبش

 

كانت المرة الأولى التي ألتقي فيها الأخ فيصل الحسيني، أثناء الاعتصام والاضراب عن الطعام الذي نفذه بعض الأخوة والأخوات، وعلى رأسهم الأخ المناضل فيصل الحسيني، على أثر مجزرة عيون قارة التي نفذها أحد الجنود الصهاينة بحق العمال الفلسطينيين القادمين من غزة للعمل داخل إسرائيل.

كنت حينئذ أحمل كيساً من البلاستيك، وأجمع فيه أعقاب السجائر والأوراق المتناثرة هنا وهناك في مكان الاعتصام. وكان هو كذلك، يحمل كيساً ويقوم بالعمل نفسه. ابتسم في وجهي قائلاً: أنت ؟! لم أتوقع أن تقومي بمثل هذا العمل. ولم لا ؟! قلت بدهشة. انه لشرف عظيم أن أقوم بذلك. وتابع كلُّ منا عمله.

أما المرة الثانية، فكان لقائي به في الفندق الوطني في القدس، حيث أطلعته على مادة كتاب " تعلم كيف تتعلم بنفسك" الذي أعددته آنذاك لأقدمه هدية إلى طلبة المدارس والجامعات ليساعدهم على إتقان المهارات القرائية الرئيسة، ومن ثم القدرة على القراءة السريعة والفهم السريع. وعلى التعلم الذاتي، خاصة وأن معظم المؤسسات التربوية كانت مغلقة آنذاك.

قلت له: أتمنى لو أستطيع تقديم نسخه من هذا الكتاب لكل أسرة فلسطينية، لأحارب الجهل الذي يحاول الإسرائيليون فرضه على شعبنا.

سألني عما فعلته لجنة القدس التي كنت أترأسها في تلك الأيام في مجال دعم العمل التربوي، فأخبرته بأن بعض المعلمين والمعلمات يساعدونني في تحضير أوراق عمل باللغتين العربية الإنجليزية، وبتسجيل جميع دروس اللغة العربية للصف الثاني الابتدائي، بحيث يتمكن الطفل من التعلم بنفسه دون الاستعانة بأحد. هذا إضافة إلى إعداد كتاب حول ترشيد المناهج في الضفه الغربية وغزة.

سره ذلك كثيراً وراح يعتذر إليّ قائلا بأن رسالتي وصلته من أجل طباعة كتاب " تعلم كيف تتعلم بنفسك" قبل اعتقاله بفترة    قصيرة. ثم راح يحدثني عن قصته مع  جبريل الرجوب إلى أراده أنه يكون على رأس الجاهة وان يقوم بطلب الفتاة التي سيتزوجها. إلا انه كلما استعد لذلك، يجري اعتقاله قبل الموعد بيوم. حتى انه قال لجبريل بعد أن تكرر اعتقاله اكثر من مرة: اسمع. أريدك أن تخطب وتتزوج أثناء اعتقالي، حتى أضمن أنني لن اعتقل بعد ذلك.

ضحكنا معاً. قلت له: هل يعني هذا أن اعتقالك قد يتكرر بسبب كتابي، هذه المرة؟؟ إذا، أنا مستعدة أن أمزق الكتاب وألقي به في سلة المهملات.

فقال بإصرار: لا . لا تفعلي. سأجد طريقة لطباعته في مركز الدراسات.

شكرته وخرجت، وكنت مصممة على طباعة الكتاب في مكان آخر حتى أعفيه من وجبةً جديدة في المعتقل. وبالفعل، تمت الطباعة الأولى من الكتاب عن طريق اتحاد الكتاب الفلسطينيين.

كما أعيدت طباعته للمرة الرابعة، حيث تم تحقيق جزء من الحلم الذي تمنيته، فقمت بتوزيع نسخة منه على كل مؤسسة تربوية في فلسطين. وفي كل مرة التقي فيها الأخ فيصل كنت أحاول أن أخبره بذلك، فأخجل.

لقد كان هناك أمر ما يربط بين هذا الكتاب والأخ فيصل. إلى أن علمت فيما بعد انه قدمني إلى الاخ الرئيس ابوعمار، ربما من خلال ذلك الكتاب، ليقوم بتعييني مديرا عام  موجها في وزارة التربية والتعليم، حيث لا أزال اعمل.

 

هذا هو الأخ فيصل، الذي لم يكن يحمل هم القدس وحدها في قلبه ووجدانه، وإنما كان يحمل هموم الشعب بكامله . وكان لا يهتم بالمقدسات الإسلامية والمسيحية فحسب، وإنما يهتم بالتعليم والصحة، وبجميع مناحي الحياه التي تؤثر على المجتمع الفلسطيني والأسرة الفلسطينية والفرد الفلسطيني.

وعزاؤنا في فيصل، إن البذور التي نثرها على تراب هذه الأرض ، ستجد  طريقها لتنمو وتترعرع حيث ستحقق بإذن الله أحلامه التي ناضل طويلاً من اجلها، سواء داخل الوطن أو خارجه، في شوارع فلسطين أو في المحافل والمؤتمرات الدولية، في زنازين العدو أو في بيت الشرق، الذي سيظل مشرقا على مدى الزمن. لأن روح فيصل ستظل ترفرف فوقه وتحميه إلى أبد الآبدين

 

 
 
 
   

 

تم تصميم هذا الموقع سنة 2002 

تم تجديد الموقع سنة 2012 

حقوق الطبع لجميع صفحات هذا الموقع محفوظة لزينب حبش 2012