فهرسة

 

 

 

الديمقراطية والتربية

زينب حبش

أمينة سرّ لجنة التربية

 

 

 

كلما جرى الحديث عن الديمقراطية، تتوارد إلى خاطري الحكايا المعروفة عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال: " من رأى منكم فيّ منكراً، فليغيره". فرد عليه رجل قائلاً: " لو رأينا فيك اعوجاجاً، لقوّمناه بسيوفنا". فحمد عمر الله لأن هناك من بين الشعب من يقوّم اعوجاج عمر. ثم قصته مع الذي انتقده لأن ثوبه أطول من ثيابهم. فطلب عمر من ابنه أنّ يردّ على ذلك الشخص. فقال الابن أنه أعطى حصّته من القماش لأبيه. والمعروف أن عمر كان يقسّم قطع القماش على الجميع بالتساوي، بما فيهم الخليفة.

          الديمقراطية بالمعنى الحرفي للكلمة تعني " حكم الشعب ". أما في المفهوم التربوي والأسري والمجتمعي، فتعني أموراً كثيرة لأنها تتضمن العدالة، وحرية التفكير والتعبير، والمساواة في الحقوق والواجبات، وعدم التمييز بين الأشخاص.

          الديمقراطية وإن كانت ضرورية في جميع مناحي الحياة في المجتمع، إلا أنها أساسية في التربية والتعليم. فلا تعلمّ حقيقي إن لم تُمارس الديمقراطية في الصف خلال العمليّة التعليمّية/ التعلميّة.

          فأولاً وقبل كل شيء، تجب إتاحة فرصة التعليم للجميع بغض النظر عن النوع ومكان السكن ( مدينة أو قرية )، والشريحة الاجتماعية والحالات الخاصة.

          والديمقراطية يجب أن تتوفر ثانياً في المنهاج المدرسي، وفي غرفة الصف، وفي أساليب التدريس والأنشطة والوسائل التعليمّية/ التعلميّة، إلى غير ذلك، من الأمور التي تلبي حاجات جميع الطلبة على اختلاف إمكانياتهم وقدراتهم.

          فالمادة التي لا تتضمّن المفاهيم الديمقراطية وتعزيزها وإثرائها وإتاحة المجال للطلبة بالإقتداء بها، تبتعد بالطلبة عن ممارسة الديمقراطية.

          لذا، فالمطلوب من المعلم أن يكون القدوة لتلاميذه، وذلك بأن يمارس الديمقراطية في الصف. وذلك بأن يعامل جميع الطلبة بطريقة تعزّز لديهم مفهوم المساواة والعدالة وإتاحة فرصة المشاركة لكل واحد منهم، وإضفاء جوّ من المودّة والاحترام بينه وبينهم. وذلك بتدريبهم على حسن الإصغاء، والنقاش الجاد، وبحثهم على التعاون. كل هذا يساعد في عمليّة التعلّم. فالطالب يتعلم من زملائه أكثر مما يتعلّم من معلمه. كما يمهدّ لهم الطريق للتعلم الذاتي المستقلّ ، الذي يستمرّ معهم مدى الحياة. كما يدربهم على حلّ المشكلات الخاص والعامّة، وعلى الانتماء الحقيقي للجماعة.

          والمعلم الذكي، يدرك أن هناك فروقاً فردية بين التلاميذ. فهو لذلك ينوّع في الأنشطة والوسائل التي تتيح لكل واحد منهم القدرة على الفهم والمشاركة الفعّالة، أسوة بغيره من التلاميذ. وبهذا يعمّق لديهم الثقة بالنفس، والتمتع بالروح المعنوية العالية، التي تقوّي لديهم الدافعية للتعلم.

وهو كذلك يدرك أن هؤلاء التلاميذ الذين يجلسون أمامه في الصف، لن يكونوا نسخاً عنه أو عن أشخاص في ذهنه فمنهم من سيصبح طبيباً أو نجاراً أو مهندساً أو مزارعاً أو ممثلاًأو أو إلى غير ذلك من المهن التي يحتاجها المجتمع. لذا، فهو يتيح لكل واحد منهم التقدّم، خاصّة في المجال الذي يتقنه.

وهو كذلك يتيح لهؤلاء التلاميذ، الحرية في التفكير والتعبير، وممارسة القيم الإيجابية كالجرأة الأدبية، والصدق والأمانة والإخلاص في العمل والنظافة، وحبّ الخير والجمال.. إلى غير ذلك. فهذه جميعها تُعتبر جزءاً من المنهاج والأسلوب والطريقة المثلى لممارسة الديمقراطية.

وهو كذلك يتيح لتلاميذه فرصة الإبداع والخلق فيما يكتبون أو يرسمون. وينمي فيهم روح الإيثار، وحب الوطن. ويصقل مواهبهم، ويرتقي بأحاسيسهم وأذواقهم، ليشعروا بالجمال، ويقدروا الفن، ويبتعدوا عن الانغماس في المظاهر المادية.

والديمقراطية تبدأ بالبيت. حين يشارك جميع أفراد الأسرة بالنقاش اليومي، وحلّ المشكلات الأسرية، والتعاون التام فيما بينهم.

والطفل الذي يعيش في جوّ ديمقراطي في البيت، ثم في غرفة الصف، فمن السهل عليه الاندماج مستقبلاً في المجتمع الديمقراطي سواء كان ذلك من خلال العمل، أو النشاط المجتمعي أو السياسي، إلى أن يصل إلى مراكز القيادة وصنع القرار.

والله سبحانه عمق مفهوم الديمقراطية في الكثير من الآيات الكريمة، خاصة " وأمرهم شورى بينهم" صدق الله العظيم.

 

 
 
 
   

 

تم تصميم هذا الموقع سنة 2002 

تم تجديد الموقع سنة 2012 

حقوق الطبع لجميع صفحات هذا الموقع محفوظة لزينب حبش 2012