فهرسة

 

 

 

مناهجنا ومناهجهم

زينب حبش

في الوقت الذي تشنّ فيه إسرائيل حملة مسعورة على المناهج الفلسطينية الجديدة في فلسطين، وفي الوقت الذي تمدّ أصابعها لتخفيَ الحقائق التاريخية لفلسطين وللشعب الفلسطيني، نجد أن المناهج الإسرائيلية غارقة في بحر الكراهية للفلسطينيين والعرب، ومتمادية في التعالي والشوفينية وتقديس الذات إلى الحد الذي يغذي أطفالهم بعقدة التفوقّ لا على الفلسطينيين والعرب فحسب، وإنما على جميع شعوب العالم. فهم وحدهم بشر، ووحدهم متفوقون وأذكياء، أما الغير فهم جوييم. أي غوغائيون ومجرمون ومتخلفون.

إن الكتب المدرسية، وكذلك أدب الأطفال في إسرائيل، تغذي العنصرية والكراهية تجاه الفلسطينيين ، هذا ما أوضحه الصحفي الحرّ وغير المتحيزّ مورين ميهان في إحدى مقالاته.

فالكتب المدرسية الإسرائيلية، تقدم اليهود بأنهم مجدون وشجعان وبأن الفلسطينيين والعرب متخلفون وغير منتجين. وأن هذه النمطية السلبية عن الفلسطينيين والعرب هي القاعدة وليست الاستثناء في معظم هذه الكتب.

أما مناهجنا، فهي تركز على القيم الإنسانية والأخلاقية، وتؤكد بأن جميع الناس سواسية كأسنان المشط. وأن الله سبحانه خلق الناس جميعاً أحراراً ومن التراب، وأن لا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

أما بالنسبة لعلاقتنا نحن مع اليهود، فإننا نؤمن بأن اليهودية دين سماوي، كما المسيحية والإسلام. وقد أمرنا الله بأن لا نفرّق بين الرسل والأنبياء. فنحن نحب موسى وعيسى كما نحب النبي محمد.

كما أننا نفرق بين اليهودية كديانة، والصهيونية كحركة عنصرية متطرفة، معظم أفرادها ملحدون. وعلى رأسهم السيدة الراحلة جولدا مئير. وفي الوقت نفسه فقد تعلمنا أن مفهوم اليهودية هو بأنها العودة إلى الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه، كما قرأنا بأن هناك فئات من اليهود المؤمنين الذين يرفضون قيام دولة إسرائيل عن طريق القتل والاغتصاب، ومن هؤلاء جماعة ناطوري كارتا التي ترفض حتى التعامل بالنقود الإسرائيلية. وكذلك بعض الجماعات التي تصف اليهودي الحقيقي بأنه الشخص الذي يعتمد على نفسه في تحصيل قوته، وهؤلاء يعتبرون عملية اغتصاب فلسطين بأنها جرائم ولصوصية تحرمّها الشريعة التي يؤمنون بها.

وأننا في الوقت الذي يحرق فيه بعض الإسرائيليين المصاحف، ويشتمون النبي ويتهجمون على الإسلام، ويمنعوننا من الصلاة في المساجد، نترفع عن الرد عليهم، إلا بما ورد عنهم في القرآن الكريم. على لسان الخالق جل وعلا.

أما كتب الجغرافية والتاريخ في إسرائيل، فقد ركزت على أمجاد ماضي إسرائيل، وكيف أن الأرض " أهملت ودمرت بواسطة العرب، إلى أن عاد اليهود من الشتات الذي أُجبروا عليه، وأحيوها بمساعدة الحركة الصهيونية". الأمر الذي ينفي ادعاء الفلسطينيين لملكية الأرض نفسها.

أما كتبنا، فإنها تعرض تاريخ وجغرافية فلسطين، كحقائق معروفة دوليا وإقليمياً وعربياً، وحتى إسرائيليا. حيث أن قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين لم يصدر عن هيئة الأمم إلا عام 1947م، مما يعني أن الأرض التي أقيمت عليها هذه الدولة كان لها اسم معترف به دوليا وهو فلسطين. وأن هذا الاسم لا يزال حتى يومنا هذا، منقوشاً على النقود والطوابع وجوازات السفر، التي لا يزال الفلسطينيون يحتفظون بها إلى جانب مفاتيح منازلهم في وطنهم فلسطين.

وقد استمر هذا الاسم رغم الحكم التركي والانتداب البريطاني. وأن الشعب الفلسطيني آنذاك كان يتكون من المسلمين كأغلبية، وكذلك من المسيحيين واليهود، الذين رغم تدفقهم إلى فلسطين بسبب الاضطهاد الأوروبي، كانت نسبتهم المؤية لا تزيد عن عدد أصابع اليد الواحدة.

وكلنا نعرف ما حصل بعد ذلك ابتداء من وعد بلفور المشؤوم، ثم الكتاب الأبيض، ثم القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، والتي منها قرار (194) الذي ينص على حق العودة لكل لاجئ فلسطيني إلى أرضه وممتلكاته، وقرار(181) الذي ينص على تقسيم فلسطين إلى دولتين: دولة فلسطينية وأخرى يهودية.

هذه المعلومات وغيرها، لا تزال مغروسة في أذهان وقلوب الشعب الفلسطيني بكامله، سواء وردت في الكتب المدرسية أم لم ترد. والدليل على ذلك، انتفاضة الفلسطينيين الذين صمدوا في الأرض الفلسطينية المغتصبة منذ عام 1948م، وكذلك الذين تلقوا تعليمهم في الدول العربية والأجنبية التي لجأوا إليها، حيث أُهمل ذكر القضية الفلسطينية في الكتب التي تعلموها.

وإذا كان الأوروبيون والأمريكيون، يريدوننا أن نتعقّل ونحتكم إلى سياسة الأمر الواقع، فلماذا لا يطالبون الصهاينة بذلك؟؟

إن الواقع الذي يمكن تقبله هو عودة الفلسطينيين، جميع الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم التي شردوا منها.

والى عودة الحياة الطبيعية في فلسطين، بحيث يعيش الجميع، مسلمون ومسيحيون ويهود، كما كانوا يعيشون فيها سابقاً. وبأن نعتمد نموذج منديلا في جنوب إفريقيا، وبأن يختار أي فرد المكان الذي يرغب الحياة فيه، سواء كان ذلك في الدول العربية أو الأوروبية أو غيرها. ولتفتح جميع الدول العربية أبوابها لليهود الذين كانوا يعيشون فيها، إذا رغبوا في ذلك. أما الحلم الصهيوني في دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، فما هي إلا ضرب من الشعوذة والخيال المريض.

يقول الكاتب والصحفي المرموق إسرائيل شامير: " لم تكن مبادرة أوسلو هي الخطأ فحسب، وإنما قرار التقسيم نفسه كان خطأ كبيراً".

وكذلك، فهو يدعو إلى إزالة ما يسمى بالخط الأخضر، وإلى عودة أبناء وبنات فلسطين إلى مدنهم وقراهم في عكا وحيفا ويافا وكفارسابا وقاقون وغيرها، ليعيدوا بناءها من جديد.

ففلسطين برأيه، ميتة بدون الفلسطينيين، وأن الفلسطينيين هم روحها.

هذا هو اليهودي الواقعي، الذي يدعو إلى إعادة الروح إلى الجسد، والذي يطالب شعبه بالتعقل وبالعمل على بناء الثقة وتحقيق العدالة والمساواة والتعايش بروح الإخاء والمودة.

أما مجرمو الحروب ومقترفو المجازر، فليقدَّموا إلى محكمة العدل الدولية لتحكم في أمرهم، ولينالوا العقاب الذي يستحقونه.

لقد أشار البروفيسور الإسرائيلي أدير كوهن، في كتابه " وجه قبيح في المرآة"، إلى أن الطفل اليهودي يحقن بجرعات متتالية من الكراهية والبغضاء لكل ما هو عربي.

ويقول عكيبا أرنست سيمون:

" إن الإسرائيليين يبذلون ما بوسعهم إعداد الطلاب اليهود وتهيئتهم ليوم غد، الذي قد تنشب فيه الحرب، بينما لا يبذلون أي جهد لتهيئة الطلاب اليهود لبعد غد الذي قد يجلب السلام" ( وجه قبيح في المرآة ص31).

وقد تبين من تحليل كتب الأطفال في إسرائيل، بأن تلك الكتب قد صورت العدو الفلسطيني باللاإنسانية والانحطاط والوحشية، وشككت في إقامة علاقات سلام معه، أو علاقات من الثقة المتبادلة. (الكتاب نفسه، ص33).

إن الطفل اليهودي يُلقّن دروساً يومية ممنهجة، في تميُّز النوع اليهودي وتفوقه على من سواة.

" أليسوا شعب الله المختار ؟!" هذا ما يردّدونه لأنفسهم صباح مساء.

إن هذا التعالي، الذي تغذيه العنصرية الصهيونية في عقل وذهن الطفل اليهودي، تقابله النظرة الدونيه التي تحط من قيمة غيره. فهم يعتبرون أنفسهم أفضل من جميع بني البشر على سطح الأرض.

ولنستمع إلى رؤسائهم وحاخاماتهم ومتطرفيهم، لنعرف جيداً، كيف يقيّمون الغير، وخاصة، الشعب الفلسطيني: ألم يصف مناحم بيجن، رئيس الوزراء السابق، الفلسطينيين، بأنهم بعوض في مستنقعات، وأنه يجب رشهم بمادة ال ( DDT) القاتلة، وبردم مستنقعاتهم عليهم؟!!

ألم يصف عوفاديا يوسف، كبير الحاخامات في إسرائيل، الفلسطينيين والعرب بأنهم أفاعي سامة؟

ألم يصرح كتساب، رئيس الدولة الحالي، بأن الشعب الإسرائيلي متفوق على جميع جيرانه، وأنهم يتميزون عليهم في جميع المجالات، وبأن الفلسطينيين غير إنسانيين ؟

ألم يصف بيرس، وزير الخارجية الحالي، والذي يحمل على كتفه جائزة نوبل للسلام وفي عنقه مجزرة قانا، ألم يصف الدول العربية في مؤتمر دافوس، بأنها محيط من القذارة، تحيط بواحة الديمقراطية المتألقة؟ وهو يعني بذلك ( إسرائيل).

ألم يطلب ليبرمان من شارون، أن يعيد احتلال المدن والقرى التي تخضع للسلطة الوطنية الفلسطينية، وبأن لا يبقى فيها حجراً على حجر؟!

ألم يصرح ايتان، رئيس أركان الحرب الإسرائيلي سابقاً، بأن العرب ما هم إلا صراصير في زجاجة مغلقة؟!

وأخيراً، ألا يقوم شارون، رئيس الوزراء الحالي، والمشهور باقتراف أبشع الجرائم في الشعب الفلسطيني منذ عام 1948م ومروراً بصبرا وشاتيلا وانتهاء بما يقوم به حاليا من التدمير والقتل وجرف الأراضي واقتلاع الأشجار، والإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني رضعا وأطفالاً، شيباً وشباباً، نساءً ورجالاً ، على مرأى من جميع العالم، دون أي خجل أو وازع إنساني أو أخلاقي؟!

هذه المناهج، يستقيها الأطفال اليهود في ( فلسطين ) من زعمائهم، فماذا يتعلمون من أمهاتهم وآبائهم؟!!

في استطلاع حول إمكانية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين أجراه صحفي مصري في إحدى المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، كانت ردود المستوطنين أكثر تطرفاً مما كنا نتوقع:

قالت إحدى السيدات: " أقترح أن نقدم لكل أسرة فلسطينية ألف دولار، ونطلب منها أن تغادر هذه الأرض"

هكذا، وبكل بساطة، تتوقع منا هذه السيدة الكريمة أن نبيع وطننا الذي نحبه بعد حبنا لله سبحانه، والذي نستعد جميعنا للدفاع عنه بأرواحنا.

وقال آخر: " نعم، هناك إمكانية للسلام، ولكن برأيي لن يتم ذلك إلا بعد أن نعود إلى لبنان، وبعد أن نحرر الأردن وسوريا والعراق ومصر".

حين سمعته لم أتمالك نفسي من الضحك بسخرية، وقلت: " لماذا لا يكمل تحرير باقي الدول العربية" وحتى الإسلامية أيضا؟! أليسوا الجيش الذي لا يقهر؟!

هكذا، بالتأكيد، يبرمجون أطفالهم، ويغذونهم بالعنصرية والتعالي والإحساس المطلق بالتفوق، ويكبلونهم بعقدة السوبر، فكلهم شجعان ورائعون ومتفوقون. أما الآخرون، فكلهم رعاع، وقذرون، ومتخلفون وفقراء ومرضى وأفاعي وفئران وبعوض وصراصير وجبناء ولصوص ومجرمون ومخربون وإرهابيون ومتعطشون للدماء وتجار حرب وحيوانات وقبيحون وشريرون وكذابون وجشعون ومتقلبون وخونه.

هذه مجمل الصفات التي يطلقها الإسرائيليون على الفلسطينيين والعرب بخاصه، وعلى باقي شعوب العالم بعامة، في أحاديثهم المنزلية أمام الأطفال، أو في الكتب المدرسية والقصص، أو على ألسنة زعمائهم وحاخاماتهم وقادتهم.

فما الذي نتوقعه منهم بعد كل هذا ؟!!

أما كتبنا نحن، فهي وإن كانت تؤكد على حق العودة إلى أرضنا وممتلكاتنا، فهي تدعونا إلى احترام جميع الديانات السماوية، وتعلمنا التسامح، وليس أدلّ على هذا من قصّة اليهودي جار النبي محمد صلى الله عليه وسلم، التي لا يزال الأطفال يتعلمونها في المدارس.

اعتاد ذلك الرجل اليهودي بأن يلقي القمامة أمام منزل النبي كل يوم فيتجنبه النبي، ويزيل القمامة بنفسه. وفي أحد الأيام لم يجد النبي قمامة أمام منزله كما هي العادة. ولما سأل عن جاره، قيل له إنه مريض. فذهب ليعوده في منزله. تعجب الرجل من دماثة أخلاق الرسول، وقرر أن لا يلقي القمامة أمام بيته أبداً.

هذه الأخلاق نعلمها لأطفالنا في حالة السلم. أما في حالة الحرب، فها هو الخليفة أبو بكر يأمر جيش المسلمين بأن لا يقتلوا طفلاً ولا امرأةً ولا شيخاً كبيراً. وأن لا يقطعوا شجرة مثمرة، وان لا يهدموا بيتاً ولا صومعة.

هذه الدروس وأمثالها، يتعلمها الأطفال في جميع مدارسنا، ويحفظونها عن ظهر قلب.

وهم في الوقت نفسه يتعلمون عشق الحرية، ويرفضون الظلم والقهر والعدوان. ويتعلمون قيمة الدفاع عن أنفسهم وعن وطنهم وحقوقهم واستقلالهم. كما يتعلمون رفض الذل والخنوع للمحتلين الصهاينة الذين يغتصبون الأرض ويدمرون الممتلكات، ويعيثون في الأرض الفساد. وفي الوقت نفسه، يسقطون علينا جميع صفاتهم وأمراضهم النفسية المعششة في عقولهم ونفوسهم.

أما الدول الأوروبية والولايات المتحدة، فإنني أدعوها إلى إعادة تأهيل هؤلاء المرضى. وحبذا لو اقتطعت لهم الولايات المتحدة مكانا مناسبا من أراضيها الشاسعة، لاقامة دولة يهودية نقية، بالمواصفات التي يحلمون بها.

 

 
 
 
   

 

تم تصميم هذا الموقع سنة 2002 

تم تجديد الموقع سنة 2012 

حقوق الطبع لجميع صفحات هذا الموقع محفوظة لزينب حبش 2012