ما كتب عن الشاعرة

 

 

 

 

يحيى زكريا الأغا

 

 

إضاءات في الشِّعر

الفلسطيني المعاصر

 

 

 

 

مُعين بسيسو

شكيب جهشان

شفيق حبيب

فاروق مواسي

حسين مهنا

زينب حبش

 

 

 

 

الجزء الثاني

 

 

 

 

 

 

 

دار الحكمة
الديوان السادس

 

 

 

للشاعرة

{ زينب حبش }

 

 

 

 

شاعرة الصفاء والأمل

ورمز لعشق الوطن رغم الجراحات

 

 

 

وديوانها

 

 

( الجرح الفلسطيني وبراعم الدم)


زينب حبش من مواليد مدينة يافا عام 1943، أي قبل النكبة بأعوام معدودة، فذبُلت معها، ثم اشتدّ عودها بعدها، وتصدّت وصمدت، فسلامٌ عليك يافا في بُعدك، وسلامٌ عليكِ في هجرنا الجبريّ لك، وسلامٌ عليك يوم نعود إليك.

شاعرتنا واحدةٌ من الشاعرات اللواتي  اصبحَ لهنّ دورٌ بارزٌ في الحياة الأدبيّة، فبعد أن حصلت على الليسانس في اللغة الإنجليزية من جامعة دمشق عام 1965، والماجستير في الإشراف التربوي من جامعة بير زيت عام 1982، عملت موجّهةً لمادة اللغة الإنجليزية في مدارس الوكالة في منطقة القدس، وأصبحت عضواً في اتحاد الكتاب والأدباء  الفلسطينيين، وتبوّأت مناصبَ مختلفة، وتعملُ حالياً في مدينة رام لله في وزارة التربية والتعليم في ظلّ السلطة الوطنية لتُساهمَ بواجبها من أجل الوطن. بدأت رحلتها الشعريّة في النصف الثاني من السبعينات، وصدر لها ديوانٌ متأخّرٌ عن بدايتها الشعريّة باسم " الجرح الفلسطيني وبراعم الدّم" وهو الديوان الذي اخترناه ليكون منهج الدراسة على اعتبار أنه الديوان الأوّل لها في سلسلة الدواوين التي صدرت بعد ذلك، إضافةً إلى الكتابات الأخرى التي تُمثّل بدايةَ بزوغِ فجرِ  أدبيةٍ مرموقةٍ يَنتظرُ منها قرّاؤها الكثير، فهي بالإضافة إلى كونها شاعرة، صدر لها حتى الآن أربع دواوين شعريّة هي " قولي للرمل" عام 1963، " ولا تقولي مات يا أمي" والثالث" حفروا مذكّراتي على جسدي" ، فهي قاصّة، صدر لها مجموعتان قصصيتان: الأولى عام 1992 بعنوان " لماذا يعشق الأولاد البرقوق" والثانية عام 1993م بعنوان " قالت لي الزنبقة ".

الشاعرة التي نقرأ لها من خلال هذه الدراسة لها منهجها الخاص في تناولها للموضوع، ولا نقول هنا بالتمايز بقدر ما ترتاح إلى لغةٍ يغلب عليها البساطة وعدم التعقيد والابتعاد  عن الغلوّ، فبساطتها التي تظهر من خلال  ألفاظها، تُظهر قدرتَها على محاكاة كل شيء إضافة إلى كونها تمتلك طاقاتٍ إيحائية ذات قيمة عالية، فصفاء الأسلوب، واقترابه من الحياة بكل همومها وأفرحها، وآمالها وأحزانها، جعل الشاعرة أكثر التصاقاً بالحياة، وقرباً من كلّ المؤثّرات الخارجيّة، فتناولت مسيرة الثورة الفلسطينية وما صحبها من كبوات، والتي كان لها تأثيرٌ كبيرٌ في مسيرة النّضال من خلال لغة دامية، وقلب مجروح، فبرزت معالم الشاعرة من خلال أسلوبها.

وإذا كانت الشاعرة تختصر المسافات بين الحاضر والماضي، وبين الأمل واليأس، من خلال لغة ناهضة، إلا أنها ترى نهاية الطريق أكثر إشراقاً، واكثر أملاً من اليأس، فطغت عليها روح الحبّ لكل ذرّة تراب في الوطن، فكان لوطنيّتها حضور متميّزٌ في قصائدها،ولإنسانيّتها لغةٌ خاصّةٌ في دواوينها، لتُعلنَ بعد ذلك بأنّ العلَمَ الفلسطينيّ سيقف شامخاً ليُعلن بدايةَ عهد جديد.

لقد ملك الوطن على الشاعرة لبّها وحياتها، فأصبحت جزءاً من همومه ومن دمائه ومن شهدائه، فسطّرت لنا بلغتها الحانية قصائد تمثّل إبداعاً متمّيزاً في رحلة الشاعرة الأدبيّة، وأصبحت الأرض هياجها، وتل الزعتر ألمها، والدولة الفلسطينية هاجسها الكبير، حتى أنها رسمت حدود الدولة وبنيتها وحاضرها ومستقبلها، وكيف لهذه الدولة أن تنمو وتكبُر في عُيون الأجيال القادمة من خلال قصائدَ متنوعة. 

إنّ النضال والثوريّة التي تظهر في قصائدها جاءا نتيجة الواقع الذي يفرض عليها هذا اللون من الشعر، وبالتالي أصبحت واحدة من شاعرات الوطن الفلسطينيّ، تقف مع فدوى طوقان، وسلمى وغيرهما ممن ساهمن بنموّ الحركة الأدبيّة والفكريّة والثقافيّة في فلسطين.

إنّ المدقّق في دواوين الشاعرة يشعر بمدى العشق الملتزم، والانتماء الصّادق لكلّ القضايا المعاصرة التي كان لها أكبر الأثر في تغيير المسار، وبالتالي تغيير الشكل والمضمون. وربما هناك الكثير منها الجديد، إضافة إلى البنية اللغوية التي جاءت بها أبيات النصّ، حيث تمازجت الموسيقى مع الفكرة، فجاءت الدّفقات الشّعورية متوازية تماما مع الحالة النفسية التي تسيطر عليها، واعتمدت على التكرار اللفظي بصورةٍ واضحة، وان كان أحياناً يطغى على الفكرة، ثم اعتمادها الدائم على الجمل الشعرية، فجاءت العاطفة مختلفة كلما انتقلنا من سطر إلى آخر، لكنّ العاطفة مربوطة برباط وثيق مع الفكرة.

وتبقى الرحلة داخل الشاعرة جزئيّة ما لم نقف تماما على إبداعها المتميّز من حيث الشكل والمضمون، وتبقى الشاعرة واحدة من الشاعرات الفلسطينيات اللواتي كان وما زال لهنّ دورٌ بارزٌ في القصيدة العربيّة بشكل عام والقصيدة الفلسطينّية بشكلٍ خاص.

إنّ الشاعرة زينب حبش تُعتبر انطلاقةً جديدةً في مسيرة الأدب، وصفحة ثرّة بالفكر والثقافة. طموحاتها لا تقف عند تلك الإصدارات، بل تمثّل هذه المرحلة في شعرها البدايات، وهذا ما استطعنا أن نلمسه من خلال التدرّج من ديوان إلى آخر. وتبقى الشاعرة واحدة من روّاد حركة الشعر العربي المعاصر في فلسطين. ولا يُمكننا أن نقفز على فكرها وأدبها، لأنها تفرض نفسها على الكاتب والناقد، ولهذا كانت الدراسة . وما زلنا ننتظر منها إبداعاتٍ متميّزة.

 

 


(الجرح الفلسطيني وبراعم الدم)

 

هذا الديوان صدر في الفاتح من يناير عام 1994، ويمثّل هذا التاريخ نقطة التحوّل الرئيسة في مسيرة النضال الفلسطيني إلى يومنا هذا.

وإذا كان ميلاد ديوان الشاعرة يمثل حياة جديدة، فإنّ ميلادها عام1943 في يافا، المدينة الفلسطينية الساحليّة، ستبقى المحطّةَ الوحيدةَ المحفورةَ في الذّاكرة، مُنتظرةً عودة القطار الذي نقلها من مدينتها مهما طال الزمن،  وإن لم يكن فالأجيال القادمة حافظة للعهد، ولن تنسى ديار الأهل، لتُعيد ذكريات الأهل والطفولة على عتبات المدائن والقرى الفلسطينيّة.

الديوان حافل بالقصائد الوطنية المفعمة برائحة الوطن، ترابه وسهوله ، أطفاله وشيوخه، شمسه وقمره، صيفه وشتائه، حجارته ومقلاعه. حافل أيضا بقضايا معاصرة مستوحاة من الواقع بكلّ آماله وآلامه. فترى النور يبزغ من الدّماء التي تسيل في تل الزعتر وصبرا وشاتيلا، وفي عُيون الأطفال، فتستمدّ من دموعهم  مداداً لرسم خارطة الوطن التي سيرتفع عليها كاملة العلَمُ الفلسطيني، وإقامة الدولة الفلسطينية التي تُريدها بمنظار خاصّ ومتميّز.

وأوّل قصيدة تطالعنا في هذا الديوان بعنوان" الحمام تحت زخّات المطر الناري " وهي مُهداهٌ إلى روح الشهيد بسّام حبش* الذي كان أوّل مَن مُنح وسامَ فلسطين من الأخ الرئيس ياسر عرفات. والقصيدة لا تتحدّث عن مناسبة ولا غرض شعري، لأن الأغراض في ميزان الشعر الحرّ  اندثرت، وإنما هي رسالة إنسانيّة وطنيّة تحمل في مضمونها روح النّضال الفلسطينيّ:

 

* بسام محمد حبش فلسطيني ، تمكن من قتل عقيد في سلاح المخابرات الصهيونية، وكان مسؤولاً عن النشاط الفدائي في الضفة الغربية سابقاً ، ومرتبطاً بمكتب الإرهابي مناحم بيجن ، هو الكولونيل "موشي غولان" الملقّب بالذئب.

وحتى اللحظة لم يعرف العدو كيف تم استدراج العقيد وقتله، وعدم الكشف عن ذلك إلا بعد مضي 48ساعة من وقوع العملية، وقد وصفها العدو بأنها عملية اغتيال نُفّذت بذكاء ومهارة ، استخدم فيها مسدس الضابط القتيل نفسه . أما كيف ، فبقي السر مدفونا مع الشهيد في مخيم بلاطة القريب من نابلس . هذا السر الذي سيكشفه بسام لوالده وعمه قائد عملية بتاح تكفا ، الذي استشهد فيها عام 19971، ومع الضابط.

لقد قررت الثورة الفلسطينية أن تمنح بسام وسام فلسطين تقديراً لبطولته وشجاعته وخدمة وطنه. وقد ولد عام 1959م، وهو عضو في فتح، وفي بيروت استقبل السيد ياسر عرفات المعزين باستشهاد المناضل بسام حبش وعلى مدى ثلاثة أيام والى جانبه عم الشهيد " يحيى حبش صخر ، عضو المجلس الثوري لحركة فتح.


بسّام

يغفو

يحلمُ في حضن الوطن الدافئْ

تكحلُ عينيه حُبيباتُ الرملِ السمراءْ

تزيّنهُ ضُمّةُ شقّيقٍ فوقَ الصدرْ

ويلثمُ شفتيهِ

أخرُ حرفٍ في كلمةِ حُبّ

آهٍ يا قلبْ

تُؤلمني حبّاتُ العرقِ

الفضيِّ على جبهةِ بسّاْم

تُفرحُني شاراتُ النصرِ المرسومةِ

بأصابعِ بسّامْ

 

الشاعرة من خلال عشقها للوطن، والتزامها المنهجيّ إزاء القضايا الوطنيّة والإنسانيّة، تسوق إلينا الصورةَ السّابقة لتُعبّر من خلالها عن الإنسان الفلسطينيّ الكامن في صورة بسّام، سواءٌ كان شهيداً أم طريداً أم سجيناً، فتنقل إلينا أحلامه وآماله، وكيف اكتحلت عيناه بتراب الوطن، وشقائق النُّعمان فوق صدره.

الشهيد هنا بسّام، وهو شهيد الوطن والواجب، وكلّ شهداء الوطن معنيّون بهذا الوسام الرفيع من رئيس اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير الفلسطينية.

وإذا تتبّعنا مرتكزات النّصّ من خلال الفعل "يغفو" فهذا يسلّمنا إلى أن الموت أو الشهادة إنما هي جزءٌ من الحياة، أو من أجل حياة جديدة  أفضل. أو أن الشاعرة جعلت الموت لحظياً، بعدها يصحو، ولقد زاد من بلورة هذه الفكرة استخدامها الفعل " يحلم " فنحن أمام إنسان يغفو، وليس شهيد، بمعنى  أنّه سينطلق بعد هذه الإغفاءة.

وإذا تتبّعنا الصورة الشعريّة المعبّرة والموفّقة في تلك الأسطر، فإنّ "حضن الموت الدافئ" يحمل دلالات انتمائيّةً والتصاقاً بالأرض، وأحاسيسَ مُرهفةً مع قوّةٍ  في التعبير، وأضافت إليها لتأكيد هذه العلاقة "تكحلُ عينيهِ حبيباتُ الرمل السمراء " هذا الاكتحال نابعٌ من العشق والانتماء، وربما يكون الاكتحال بالرمل الذي ساقته الشاعرة هنا لتظهر هذا العشق الأبديّ للأرض، ولكن لماذا الاكتحال بالأرض؟ علما بأنّ رملةً واحدةً كفيلةٌ بإعطاب العين، ولكن الشاعرة أرادت أن تُرسل رسالة خالدة، بأن هذه الأرض حانيةٌ على أصحابها، حتى ولو كان الرمل أسود على عكس ما في الواقع.

ثم تبرز الشاعرة استشهاد بسّام من خلال شقائق النعمان، وفي قولها " آخر حرفٍ في كلمةِ حُبّ " ولكن لماذا تعجّلت الشاعرة في إبراز صورة الاستشهاد؟ الواقع أن الشاعرة أرادت أن تبدأ العاطفة بهذا اللون، لأنها لا تريد أن تتصنّع الكلمة والمشاعر، وحتى تأخذ الكلمة مكانها، بدأت بذلك، وكذلك لتتناسب العاطفة مع الوزن والموسيقى، وهذه الملاحظة من الشاعرة تُظهر استيعابها لمعطيات النّصّ رغم بداياتها الشعرية .

ونقف هنا أمام صورة التوجّع " آهٍ تُؤلمني "ونتساءل هنا لماذا هذا الألم؟ وهل أفاد جديداً في مكانه؟ إن السّياق العام هنا يدعونا للقول بعدم الموازنة, والمقابلة، ولكن الشاعرة أرادت إبراز صورة الألم والمعاناة الشديدة التي تسيطر على نفسها من خلال ما ينعكس من الواقع، علماً بأن حبّات العرق دليلٌ على الحياة والعمل، وبغض النظر عن ذلك، فبراعة الشاعرة جاءت من حصيلة المعاني القويّة والتعبيرات المتجانسة مع المعنى، والبساطة في اللغة التي ساقتها مع أبعادها عن المفصح المعجمي من الألفاظ، فبدأ الوضوح ظاهراً على الأفكار، وهذا بطبيعة الحال يكشف جزءاً من ملامح الشاعرة وصورتها الحقيقيّة في الحياة.

 

هذا هو الفرحُ الفلسطينيُّ

والألمُ الفلسطينيّْ

يتعانقانِ كعاشقينْ

يتلازمانِ كعاشقينْ

 

الشاعرة تلمّحّ في هذه الأسطر على ارتباط الفلسطيني بالألم والفرح على حدّ سواء، وان كان الألم أكثرَ وضوحاً في مسيرته الوطنية والنضالية والحياتية. ولكنّ الشاعرة تريد أن تخفّف من هذا الواقع، من خلال التوازن في الحياة، واعتبرت كلا الحزن والفرح كعاشقين يُلازمان كيان الفلسطيني. ورغم أن حياة الفلسطيني مرتبطة بالألم، إلا أنّ الشاعرة ساقت إلينا صورة الفرح لأسباب نفسيّة، فهي لا تريد أن تبرز صورة التشاؤم وتغلبها على الفرح.    

إننا أمام قضية في غاية الأهمية. فما هو سبب الحزن الذي تطرحه الشاعرة؟! فالقضية لا تقتصر على موقف واحد، بل على مسيرة شعب، وانصهاره لظروف خارجة عن إرادته بالألم، لأن ألمه يرجع إلى سلب أرضه، وطرده من وطنه، وغربته في أرضه، وصور الموت تطارده صباح مساء:

 

في حلقي تتعثّرُ كلماتُ الوجدْ

وأنا وحدي

 أبحثُ عن  فرحٍ مغموسٍ بالدمّ

لأجدّد حبّاً مذبوحاً في المهدْ

 آهٍ  يا وطني

آهٍ يا أخرَ لحدْ

ورداً أحمرَ يقطرُ جسدي

وأنا أتعّبدْ

 

لم نكن نتصوّر أدباً نسائياً- إن كان هناك فارق بين الأدب النسائي والرجالي- مغموساً بالدّم، ولا صورة تشبه هذه الصورة من حيث الرؤية السوداوية المرتبطة بالماضي والمتّصلة بالحاضر. فلغتنا لا تقف عند حدود المعنى الظّاهري، بل نجدها موغلةً في الانصهار مع الواقع. وما تكرارها لكلمة " الدّم " في الأسطر السّابقة أو معناها، إلا دليلاً على ما وصلت إليه الأوضاع من مآسٍ غارقةٍ في بحورٍ من الأسى ومن الدّماء.

        ولننظرْ إليه في قولها الفرح المغموس بالدّم تبحثُ عنه. وأتساءل: لماذا هذا العذاب؟ ولماذا فقد الإنسان الفلسطينيّ منطق الحياة والألم والحلم؟ هل الصهاينة هم السبب؟

التدرّج الفكري الذي ساقته الشاعرة في إبراز الألم يجعلنا نعيش حالة من الضّياع وعدم الاطمئنان على المستقبل، والخوف على الأجيال القادمة، بدأت الشاعرة بتعثّر الكلمات، ثم الفرح المغموس بالدّم، ثم حُبّاً مذبوحاً في المهد، يا آخرَ لحد، وربما الموقف الشعوري يدفعنا إلى عدم لوم الشاعرة فيما ذهبت اليه، ولكن لا نريدها "خنسائية " عصرها، بقدر ما نريدها تفاؤليّة أو طوقانيّة.

وإذا انتقلنا إلى فكرةٍ جديدةٍ، نجدها تحملُ الكثير من صور التهكّم:

 

أبحث لي عن ربّ

 في الحُكم العربيّ ظننتُ الرّبّ

في الشعب العربيّ ظننتُ الرّبّ

في الثورةِ

في نفسي

في صُحبة رشّاشي

أيقنتُ بأنَّ الرّبّ

 

حالة الحيرة المصاحبة للتّجربة الشعريّة، تعكس حالة الشّاعرة النفسيّة وألمها الشّديد من صورة الوضع القائم، فساقت إلينا الصور واضحةً لا لبس فيها ولا مغالاة، فهي هنا لا تصوّر الواقع فحسب، بل تعكس واقعاً أليماً:

 

آهٍ يا قلبْ

دّقاتكَ لحنٌ أسطوريٌّ يُطربُ كلَّ الناسْ

دّقاتكَ نبضُ الثورة تتحدّى

تزأرُ

تسرحُ في غيابِ الموتْ

تُغنّي للأطفالِ

تُداعبهمْ

وتقولُ لأمّي لا تحزنْ

ما زالَ القلبُ معافىً يا أمّي

 

ويزيد الفعل المضارع على الفعل الماضي، لإبراز استمراريّة ما يقوم به مع تنوّع في العاطفة، حيث جاء كلّ فعل يحمل إيحاءً معّيناً، وكلّ وزن بموسيقى خاصّة تختلف عن الأخرى، وهذا طبعاً ناجمٌ عن القلق الذي برز هنا بصورةٍ جليّةٌ، خاصّة وأنها افتتحت هذه اللوحة بالتوجّع.

 

الثورُ الهائجُ صارَ ملايين الثيرانْ

في الجوّ

 البرّ

البحرِ

 وكلّ مكان

وأنا أحملُ منديلاً مغزولاً

من نبَضاتِ القلبْ

وأُغنّي

كانت معركةً متكافئةً

بينَ الثيرانِ وبيني

 

الصورة التي تظهر أمامنا أبرزت عمليّة الرّبط بين مُعاناة الفلسطيني ومعاناتها، وما الشاعرة إلا جزء من الوطن، وما معاناتها إلا كمعاناة البقيّة الباقية من أبناء شعبها، وبدأت اللوحة بكلمة "الثّور" وأتبعتهُ "بالهائج"، وما ذلك إلا دلالة عن السّخط العارم الذي يتسربل من بين معاني أفكارها قبل الأفكار لسيطرة هذا الجانب على حياتها التي تُبرز صورة الواقع. ولكنّ كلمة الثّور بما توحيه من شخصيّة "بسّام" رغم ما يحمل من معنى غير إنساني، إلا أن الشاعرة تهدف إلى أن هذا الإنسان تحوّل بفعل الواقع إلى ما ساقته نظير ما يواجه، فهو سيواجه ثوراً هائجاً، ومن هنا جاء المعنى. ولكنّ الشّعب عندما تحوّل إلى هذه الصفة، نابع كما قلنا من الواقع. ويتابع الشعر النصّ من خلال لوحة التفاؤل:

 

ماذا ؟

لا شيءْ

القصّةُ أنّي أغمدتُ الحربةَ

في رأس التنّينْ

عُدتُ

تحمّمتُ بزخّات المطر المنهمرِ على جَسدي

آهٍ ما أحلي الحمّامَ بزخّاتِ المطر النّاريّ

 على أنغام الخطواتِ الراقصةِ

ببحر الليلْ

 

أتذكّرُ قصيدة للشاعرة نارك الملائكة تقول " ارقصي مذبوحةَ القلبِ وغنّي " حيث نري اضطراب الصورة بشكل واضح، فالمعنى لا يتناسب مع المعنى، وتناسق الألفاظ لا يوحي بأن الشاعرة تتكلّم عن الثورة الجزائرية، وهل هناك صلة بين الرّقص والذبح؟! أما في صورة الشاعرة فالمعنى قريب من السابق، وبالتالي يظهر التناقض هنا بصورة واضحة، إضافة إلى تكرار " زخّات المطر " حيث أوحى المعنى الأوّل بنفس المعنى عندما كرّرتها وأضافت "الناريّ"، والمعنى كان مفهوماً بدونها.

ورغم ما حملت الصورة من بعض الهنات، إلا أنها جاءت بصورة إيحائية غير مسبوقة خاضعة لقانون اللفظ والمعنى، وهذا ما ترتكز علية الشاعرة. ونتابع مع الشاعرة الصورة من خلال عاطفة جديدة، ودفقات نفسيّة خاصّة:

 

من قلبِ الصمت الأزليّ

تبرعمَ نغمٌ

يلمعُ كالنّجمِ الواحدْ

(اللهُ أكبر)

وتردّدَ هذا النغمُ السّيمفونيةُ

 بينَ جبال النارْ

الله.. الله..الله

وارتجفتْ أطرافُ الثيرانِ الخائرةِ

وكانَ الموتْ

 

الشاعرة هنا تُبرزُ صورةَ المواجهة بين بسّام حبش وقوّات الاحتلال الصهيوني، وكيف استطاع بسّام أن يعملَ في الجنودِ القتلَ، ثم كان الموت.

والتأمَ الشملْ

 

 وأنا يقتلني الشوقُ

إلى أحضان أبي

يقتلني الشوقُ

إلى قبلةِ عمّي أحمدْ

يا جسدي المجبولَ بحبّات العرقِ الفضيّ

تعمّدْ

واغتسلي يا روحي بالمجدِ الأزليّ

 

التفسير الأقرب إلى لغة القصيدة بصفة عامّة يكمُن في انعدام التوازن على المستوى الداخلي. وبرز ذلك بأن التجربة كان لها تأثيرها الكبير على نفسيّتها، فساقت إلينا بعض الصّوَر المضطربة، رغم قدرتها على بعثرة الألفاظ كيفما تريد، ورهافة مشاعرها القادرة على بعث معانٍ جديدة من نفس المعنى. ورغم هذا لا يمكننا إلا القول بأن العمل مُبدع، لأنّ ما يُبنى على تأثيرات خارجيّة قوية تُصاحبه أحياناً حالة عدم توازن في نقل المشاعر، لكنّه في نفس الوقت يكشف عن روح الشاعرة وماهية تفكيرها.

إذا تحوّلنا إلى الدّفقات الشعرية وجدناها قصيرة في كثير من الأسطر، وربما رجع ذلك إلى تأثير الحدث على نفس الشاعرة، وعدم قدرتها على المتابعة. هذا ونجد بأنّ الشاعرة اعتمدت على الجمل الشعرية في بنية القصيدة.

لقد استطاعت الشاعرة أن تمحّص المعنى من أجل أن تبني عليها القصيدةِ بعد أن لعب الخيال دورا أساسيا في بنيتها، ومن هنا وجدنا كيف كانت تصوغ المعاني صياغة المتذوّق لما يُفكّر به، واستندت في بعض المواقف على الرّمز الموحي، وإن كنا نعتبره إيحاءً أكثرَ منه رمزاً. ورغم أنّ القصيدة اكتسبت لون المناسبة كما قالت الشاعرة، إلا أن الشاعرة ابتعدت عن المضمون عن هذا اللون، وبدأت تعيش شخصيّتها الوطنيّة التي أضاءت الكثير من الفقرات، وروحها الإنسانيّة التي تجاوزت كلّ حدود الذات إلى ما هو أسمى، ولهذا ابتعدت الشاعرة عن التكلّف والصّياغة المرهقة للفكر.

 

وننتقل إلى قصيدة أخرى بعنوان "الدّرب الشّائك" حيث تتكوّن من خمسة أسطر، وكل سطر من تفعيلتين، وان كان البعض لا يعتبرها قصيدة، فإننا نعتبرها ومضة:

 

في دربنا الشائكِ

تُزرعُ الألغامْ

وتُحرَقُ السنابلْ

والجوعُ وحدهُ فيهِ

هو المُناضلْ

 

ونتساءل في هذا المقام، لماذا يكون الدّرب شائكاً للفلسطينيّ؟! هل هو السّبب في ذلك؟! أم أن هناك قوىً مختلفة الاتّجاهات أوهمت بأنّ الشعب لا يستحقّ العيش؟ ولكي يظهر الشعب اليهودي باسم الشعب الإسرائيلي، ويحقّق ما يريد في ظل هذه الأجواء المفعمة بروح الكره للفلسطيني؟ وما ذهاب الشاعرة لإبراز هذا المعنى إلا لأنّها تعيش الهمّ بكلّ ثقله وهمومه، ولننظر إلها في قولها "دربنا مزروع بالشّوكِ والألغام" وهل هناك من سبيل إلى حياة كريمة داخل الوطن وخارجه؟ فالشاعرة تستمدّ عنصر الحياة من الواقع المتّصل بالماضي، ولكن هل المستقبل سيكون على هذه الشّاكلة؟! إنّ الدلائل كلّها تشير إلى استمراريّة هذا الواقع، وما قولها " تُحرَقُ السنابل" إلا لمحاولة أن تصل إلى الواقع المشين الذي يعيشه هذا الفلسطينيّ على أرضه.

الشاعرة هنا تتأثّر إلى درجة كبيرة بالأشعار الفلسطينيّة والأناشيد الثوريّة التي انطلقت في السّتينات وأوائل السّبعينات، فيغيب صوابها لما تحمل من معانٍ ودلالات ومضامين تحثّ على النضال والثورة من أجل الوطن الذي سُرق قطعةً قطعة:

 

أقرأُ أشعارَ الثوّارْ

فيغيبُ صوابي

أُصبحُ قنبلةً

تصرُخُ في وجهِ الكونْ

وتُغيّرُ ترتيبَ الأدوارْ

 

        هذه المشاعر الذاتيّة التي تنقلها إلينا الشاعرة تحمل روح الوطنيّة وحبّ الأرض. ومحاولتها أن تكون شيئا في لغة العصر وفي ميدان لا يعرف إلا لغة الرّصاص والقنابل، هذا الصّراع الذي تؤكّده الشاعرة لا ينتمي إلي ذاتها فقط، بل يدخل في إطار العموم، وبالتالي لا ترسل هذه الدّفقات الشّعوريّة من أجل ذاتها فقط، بل من أجل الجميع. وهنا تكون اللغة الحيّة القادرة على التحدّي من كلّ فئات الشعب.

وننتقل إلى قصيدة " أنخاب النصر " ، فرغم ما تحمله من معاني السُّخرية، إلا أنّ ظاهرة الأسى والحزن ترتسم على منابع المعنى، فيظهر في الألفاظ بصورة واضحة:

 

نيرودا

أصرخْ معي يا شاعرَ النضالْ

اصرخْ معي

فالدّمُ يملأُ الشوارعَ العتيقةْ

والدّمُ يملأُ الكؤوسْ

يشربهُ المجوسْ

نخبَ انتصارهمْ على الأطفالْ

 

مناجاة الشاعرة هنا "لنيرودا" كرمز من رموز الحرّية، ليقينها بأنّ أحداً من عالمها لن يستجيب، أو تتحفّز هّمته لنُصرة هؤلاء الأطفال الذين امتلأت بهم شوارع الموت وهم مُلطّخون بدمائهم البريئة.

تندفع أمامنا مشاعرٌ غاضبة، وأحزانٌ هائمة، وآمالٌ كانت معلّقةً وذابت، ورغم ذلك لا تفقد الأمل في الإرث النضاليّ المتميّز لشعبها:

 

أريدُ حرفاً واحداً

لأكملَ القصيدةْ

فيستجيبُ للنداءْ

ينبوعُ نهرٍ خالدٍ

من الدّماء

 

يقتضينا الإنصاف في هذا المقام لنعترف بأنّ وطنيّة الشاعرة لم تكن مجرّد تأثيرات خارجيّة، ولكنّه جزءٌ من فطرة الشاعرة، وحقيقة انتمائها لوطنها وأمّتها رغم ما تحاول أن تستنجد به.

إنّ إحساس الشاعرة بالألم داخل النّصّ لم يكن جزءاً من الألم النفسي الأكبر والأكثر أثراً الذي يعيشه أبناء الوطن كاملا، ولا حول ولا قوّة لهم، وما محاولتها الاستنجاد إلا نتيجة ما يعانونه.

الخيال الذي تتمتّع به الشاعرة، والثقافة، ساعداها على بناء الفكرة، وساهما في بلورة الأفكار ومنحها الكثير من الدّلالات، فتمثلت القصيدة أمامنا بفكرها ومعناها، ولغتها وإبداعها.

 

أما قصيدة " إلى فاطمة " فهي واحدةٌ من القصائد الإنسانيّة، لأنها حملت اسم رمز من رموز الصّمود الفلسطينيّ في سجون ومعتقلات العدوّ الإسرائيلي، ولقد عنون بعض الشعراء والشاعرات بعض قصائدهم بنفس العنوان، ولكن هناك اختلاف في الأسلوب والمضمون، والشاعرة قسمت النص إلى ستّ مقطوعات، ويحمل كلّ توقيع عاطفةً جديدةً ولغةً جديدةً:

 

يا فاطمةَ الفقراءْ

يا شامخةَ الرأسِ أمامَ قُضاةِ الظلمْ

لا تكتئبي

فالله معك

والشجرُ الأخضرُ

والأرضُ السمراءْ

وجميعُ الأطفالِ المحرومين

 

        هذه الرسالة التي تحمل روح التّضامن الأرضيّ والسّمائيّ، جاءت لتخفّف ما تعانيه داخل المعتقَل، ثم لترسم الواقع الفعليّ الفلسطينيّ، فقد استطاع من خلال فقره المدقع نتيجة ظروف خاصّة، أن يكون شيئا في ميدان المعركة الحياتيّة.

الشاعرة هنا تعرض علينا صوراً واقعيّةً لشخصيّة فاطمة التي سُجنت ثم تعرّضت لكل صنوف العذاب، باعتبارها أوّل سجينة فلسطينيّة تنتمي إلى فلسطين وإلى حركة فتح، لتنتقل الشاعرة إلى مضمون جديدٍ من خلال تلاحمها وتوأمتها مع المناضلة فاطمة:

 

هل أقسمُ أنّي منذُ رحلتِ

رحلْتْ

ومعاً سرنا عَبرَ دهاليزِ السجنِ

وقفنا بشموخٍ وبصقنا في وجه المخبرِ

ألحقنا العار بهِ

وبكلّ الأدواتِ المصنوعةِ خصّيصاً

لإزالتنا؟!

 

الشاعرة هنا لا تقف عند حدّ التوأمة فقط، بل تُبرز ما حدث لها أيضاً داخل الجدران الأربعة كما حدث مع فاطمة، فقد قمن بأعمالٍ تتناسب مع المحقّق والمخبر، وتحدّين كل الأساليب القمعيّة التي مُورست على أجسادهنّ في محاولةٍ لإذابتهنّ.

حقيقة الألفاظ التي ساقتها الشاعرة ما هي إلا صورةُ مصغّرة، تحتاج إلى الكثير من إبراز هذه الممارسات التي تحدث داخل السجن. ثم ترسل في الأسطر التالية ملامح من شخصيّة فاطمة:

 

تقفينَ أمامَ الجلادينْ

كالصخرةِ

كالثورةِ

صابرةً تبتلعينَ النَّظَراتِ الحاقدةَ وتبتسمينْ

فالبسمةُ زادُ الثورةْ

والبسمةُ فوقَ شفاهِ الثّائرِ

تُطفئُ نورَ الشمسْ

 

وتنسج الشاعرة خيوطاً متّصلةً بين شخصيّة فاطمة وبين المحقّق، فكان من الطبيعي أن تظهر شخصيّة فاطمة على شخصيّة المحقّق من خلال صلابتها في مواجهة جلاّديها، وتكمن الصّلابة في "البسمة" التي تُثير حنق المحقّق وتشعل في نفسه المريضة روح الحقد من نفسه لما يقوم به. وكما نرى فإنّ الشاعرة تحاول انتزاع أشكال جديدة لكتابة المعنى من خلال ما تشعر به وما يختلج في داخلها، فهي لا تنقل ولا تصوّر بل تعبّر وتجسّد وترمز من خلال معجمها الخاص.

 

يا بنتَ الشّعبْ

أنظرُ مثلَكِ عَبْرَ الجدرانِ الرّطبةْ

فأرى وطني مسجوناً مثلي

وأرى أرضي شاردةَ الذهنْ

وأرى شعبي يتظاهرُ في الطُّرقاتْ

وأرى أمّي ترفعُ كفّيها فوقَ السجادةِ

قائلةً:

يا ربّ!!

 

الصورة هنا تتّكئ على البصر من خلال المشاهدة، سواء كانت شاخصة أم حالمة، فهي كما نعرف تعيش التجربة بكل ثقلها، وهمومها، فتنقل إلينا صورة السجن من خلال الواقع، وطبيعي فإنّ الشاعرة لا تُريد أن تُظهر رطوبة الجدران بقدر ما تريد إبراز المعاناة الجسديّة والنفسيّة والأمراض التي تصاحب الرّطوبة.

وإذا كانت الشاعرة أرادت التخفيف على فاطمة وهي في سجنها من خلال السجن الكبير الذي يعيشه الفلسطينيّون من خلال الحواجز بين المدن والقرى، حتى غدا الوطن سجناً كبيراً كما تقول الشاعرة وكما هو الواقع.

 

آهٍ يا فاطمةَ الفقراءْ

تحملكِ سُوَيعاتُ الحزنِ إلى قلبي

أتألّمُ

أغرقُ في العسل الّلامع في عينيكِ

أصيرُ حُبيبةَ نارٍ تتوهّجُ بينَ الجفنينْ

أتأرجحُ

أتأرجحُ

لكنّي لا أسقطْ

أبقى لؤلؤةً

تحلُمُ في قلبِ الصّدفةْ

 

وتبقى الصورة تحمل عُنوان الشّموخ والإصرار والتحدّي رغم انغلاق المسافات بين الذات والذات، فتعيش مع "فاطمة" رحلة الحزن لتخفّف عنها هذا العذاب. لقد استعانت الشاعرة بالأفعال المضارعة لتسهم بقدر كاف في عمليّة التوأمة معها، سواء كان من خلال المعاناة أم الصّمود الذي تظهر ملامحه في معظم اللوحات التي تنقلها.

 

آهٍ يا فاطمةَ الثورةْ

هاتي كّفيكِ الداميتينِ إلى قلبي

شُقّي قلبي

تجدي نفسَك في هذا القلبْ

تَجدي كلَّ الشَّعبْ

 

الشاعرة برهافة متميّزة وإبداع خاص، وشاعريّة ناضجة، تُزاوج بين الصّوَر الحسّيّة والمعنوية حتى تُبرز الصّور المعنوية على الحسّيّة ويتمثل الإبداع، فتقف على "الكفّ الدّامي" فتقترب اكثر من "فاطمة" "شُقّي قلبي" ليكشف لنا المقام عن تلاحم شعبيّ مع السّجينة.ولا يقتصر الأمر على ذلك، فإننا نرى قدرة الشاعرة على امتلاكها الصور الثرّة الجديدة، لكنها تُفاجئنا أحيانا بالوقوف على الصّور الحسّية، رغم قدرتها على اختزان ألفاظ ذات معانٍ ودلالات في غاية الدّقّة والألفة المصاحبة للمعنى والصورة، ولكن هذا لا يمنع من اعتبار الشاعرة طاقة إبداعية  جديدة  قادرة على العطاء في رحلة الحياة الأدبيّة لتكون واحدة من باعثي الشعر المعاصر من رقدته الحاليّة، ومن موازناتها بغيرها من الشاعرات المبدعات.

 

وإذا كانت القصيدة السّابقة مُهداة "إلى فاطمة" فإنّ هذه القصيدةُ مُرسلَة إلى السُّجناء الذين يتحدّون الموت، وتحمل عنواناً خاصاً "رغمَ الموتِ لا أموت" ولقد أتبعنا هذه القصيدة بما سبق في مُحاولة لربطٍ منهجيّ بين الأفكار، فحقّ لما أن نقفز على قصيدة "الشمس التي تنفث السّم"، فماذا تقول  للمعتقلين:-

 

أموتُ كلَّ يومٍ ألفَ ميتة

في الشّامِ

في عمّانَ

في بيروتْ

شنقاً وتعذيباً

وفي أزقّةِ البيوتْ

لكننّي في سجنِ الاحتلالِ

رغمَ الموتِ

والتّعذيبِ

لا أموتْ

 

يقولون بأنّ الشّعرَ الجيّد يعيشُ رغم تقادم العصور، ونحن هنا أمام قصيدة ليس مُجبَرين على الوقوف عليها، بل لأنّ العصر تقادم عليها، ولكننا نقف عليها حيث أبرزت مرحلةً أليمةً من الصّراع الإقليميّ الفلسطينيّ من زاوية، والصّراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ من ناحية أُخرى، وعقدت موازنة كانت فيها صائبة إلى حد ما، ولكن الصورة التي تهمّنا هنا ما يُمارَس داخل سجون الاحتلال حتى اليوم. فتحمل هذه القصيدة مظاهر الأسى بمختلف جوانبه، لأنّ الموت يأتيها من الشّرق، لكن ما يحدث في سجون المحتلّ ، الصّمود والتحدّي، فهل يُعقَل ذلك؟

 

أما قصيدة "صوت الأرض" فهي واحدة من القصائد الأمّ التي يرتكز عليها الديوان لقيمتها الموضوعيّة ولغتها الشعريّة وبنيتها الفنيّة، فقد تناولت الأرض التي ثارت وأخرجت أثقالها وخرج الشعب يُعلن الرفض للاحتلال بكل صوره وأشكاله، فسالت دماء طلاّب المدارس على عَتَبات المنازل، وفي فصول الدّراسة، ولقد كان لاستيلاء القوّات الإسرائيليّة على (21000) دنم الشرارة التي أشعلت الثورة، فكان صوت الأرض على لسان الشاعرة:

 

أسمعُ يا أمّي

صوتَ الأرضِ

أراها

في كلّ الأشياءْ

الأرض.. الأرض

وتضحكُ

في عينيَّ

ملايين الأسماءْ

 

في مثل هذا الموقف، وفي مثل هذا المناخ النّضالي تنمو الشاعرة، ليصبح الشّعر الصوت المساعد لإلهاب الحماس والتّحفيز على المقاومة، ورغم محاولة المحتلّ الاستيلاء على الأرض، إلا أنها ما زالت نابضة بالحياة، ولننظر كيف ركّزت على "الأرض" باعتبارها المرتكز الأساسيّ في النّصّ، والصورة الأكثر إشراقاً في الواقع.

 

أسمعُ يا أمّي

صوتَ الأرضِ

تُراها

أرضي تتكلّم؟

وأرى بَسَماتٍ

فوقَ الخدّ

تُراها

أرضي تتبسّمْ؟؟

 

لغة الحوار المنسجمة مع المعنى جاءت لتُعطي مفهوماً جديداً من خلال التّجسيد، فهذه الأرض تتكلّم وتبتسم متحدّية كلّ الأساليب القائمة على التهويد.

 

شهداءُ الأرضِ

أيا ولدي

في موكب عُرسٍ

للثّورةْ

ودماهمْ

تُشرقُ في الشّفتينِ

تُغنَّي للأرضِ الثّرّةْ

 

        وبعد الثورة والمواجهة يبرز موكب الشهداء، فمرحلة الأحزان التي كانت تُصاحب الشهيد انتهت، وإن بدأ عهدٌ جديد، فعرس الشهيد هو الصّورة المعاصرة،لأنه يدافع نيابةً عن شعبه، وعن أرضه ووطنه، فكان لا بدّ لهذا التحوّل أن يحدث ليكون طريقاً وحافزاً للأجيال القادمة.

 

زَهَراتُ الموسمِ

يا ولدي

قَطَراتٌ

من دمٍّ أحمرْ

نزفتها

أجسادُ الثّوّار

ليُصبحَ موسمُنَا أنضرْ

 

إذا تتبّعنا حركة الألفاظ والحروف ومارسنا عليها لغة التّجانس بين اللفظ والمعنى ومدى مواءمتها لروح الحدث، وتأثيرات الشاعرة النفسيّة على لغتها، فإنّنا نجد بأن الشاعرة هنا لا تتكلّم في الهواء، ولا مَجّرد كلام، بل تتعايش مع الحدث بكلّ جوارحها، وتبني لغتها على ما تتأثّر به، فيتحوّل المخزون اللفظي تبعاً للحدث النّاجم عن الواقع، بمعنى أن الشاعرة تُمارس لغة التّفاعل وليس المراقبة عن بعد، ومن هنا لمسنا الكثير من الصّوَر ذات التأثير النفسي الكبير في المتلقّي.

 

دّقاتُ القلبِ

تؤكّدُ لي

أنّ اسمي أبداً

لنْ يُقتَلْ

وزهورُ الشقّيقِِ

الحمراء

تؤكّدُ لي

أنّي مشعلْ

 

ورغم ما يواجه الفلسطيني إلا أنّ صورة التّحدّي بارزة في المضمون، فمحاولات طمس الهُويّة لن تُفلح، ولن تحقّق الغرض الذي يسعى إليه المستعمر، ولهذا فإنّ شقائق النّعمان التي تنبت على القبر تؤكّد ذاتي وتبرز تضحيتي.

 

أغنيةُ الأرضِ

على ثغري

وعدٌ يا أمّي

لن أنساهْ

ونشيدُ الثورةِ

في الزّنزانةِ

لحنٌ

آهٍ ما أحلاهْ

 

إننا نرى هنا وثيقة عهد والتزام وانصهار مع الأرض، فمن خلال الأسلوب المباشر الذي ساقته لنا تعرض لما يجب أن تكون هي عليه ويكون كل أبناء فلسطين تجاه الأرض من خلال استخدامها الألفاظ السهلة والبسيطة والمعبّرة والقادرة على تجاوز اللّفظ إلى معانٍ قويّة.

 

أرضي

تتنفّسُ بالرّئتينِ

غداً

وتصفّقُ بالكفّينْ

والواحدُ

يُصبحُ مكتملاً

مرفوعَ الهامةِ

والعينينْ

 

صورة التفاؤل ترتسم هنا من خلال ما ساقت إلينا من معانٍ ذات دلالات نفسّية متميّزة. وهذا بطبيعة الحال نقل إلينا مشاعر الشاعرة من خلال العاطفة الصّادقة. وبدت ملامح النّصّ والحياة تظهر في الصورة التي بعثتها، وكأنّ الحياة دبّت من جديد، فهاهم شهداء الأرض قد أناروا الطريق لفجرٍ جديدٍ رغم وُعورة الطّريق:

 

شهداءَ الأرضِ

حملناهمْ

يا أمُّ

صليباً فوقَ الظهرْ

والدّربُ الشائكُ

إكليلٌ

من نورٍ

يحملُنا للفجرْ

 

وتواصل الشاعرة رحلة التفاؤل من خلال الإضاءات التي نبعت من الشّهداء، باعتبارهم الطّريق الموصل إلى حياةٍ حرّةٍ كريمة.

 

من بين هراواتِ الفرسانْ

كانتْ أعينُهمْ

تتبسّمْ

من بينِ سيولِ رصاصِ الغدرِ

دماهمْ

كانتْ تتكلّمْ

لا بدّ لهذه المقابلة في هذا المقام أن تظهر، ولا بدّ أن تطغى واحدة على الأخرى، أو يطغى الحقّ على الرّصاص والغدر، ورغم الدّماء التي سالت وتسيل ما زال الشّهيد ينادي الأرض، صحيح أنّ الشّعر في هذا المقام لا يمكن أن يكون بديلاً، ولكنّهُ يُساهم في سياقه الواقع بأسلوب خاصّ ليكون النافذة والبوّابة التي نُطلُّ بها على مُعطيات الواقع.

 

حبّكَ يا وطني

يقتلُني

ينخرُ في جسدي

حتّى العظمْ

حبّكَ

يجعلُني معجزةً

تتجدّدُ

بالرّوح وبالدّمّْ

 

تغلق الشاعرة النصّ بمفتاح جديد، وبرؤية رغم ما فيها من عدم ألفة في بعض ألفاظها، كالنّخر بالنسبة لإبراز العشق، وكيف يكون الحبّ معجزة تتجدّد بالدّماء. والقصيدة كما رأينا بُنيت على الحوار الداخلي المرتبط بالواقع الخارجي، فتمثّلت فيها الصّور الخارجيّة المرئيّة والخياليّة، لكن ما يستوقفنا في هذا المقام دلالة الدّم، باعتبار أن القصيدة ترتكز على الشهداء الذين سقطوا في يوم الأرض، فالدّم هو دم الإنسان الفلسطينيّ، فتشعّ من خلاله الدّلالات المتشعّبة المعاني، سواء كان رمزاً للحياة أو رمزاً للعرس، فجاءت العاطفة متنوّعة وتحمل كلّ معاني الصّدق، خاصّة أنّ الشاعرة واحدة