ما كتب عن الشاعرة

 

 

 

الخميس في 22/10/98                                            صحيفة الوطن القطرية

 

 

    الشاعرة " زينب حبش "

 

قصيدة عربيّة حارّة من فلسطين

     يحيى زكريا الأغا

 

        كيف تتحوّل الكلمات إلى حبّاتٍ من الندى المنهمر من أعماق القلب؟

وكيف تتحوّل الصّوَر الشعريّة إلى إضاءات في الزمن المدلهمّ؟

        وكيف تنجلي الغمّة عن الوطن؟

 

        تُجيب الشاعرة الفلسطينية زينب حبش عن تلك التساؤلات من خلال مجموعاتها الشعرية، برسائل حب منقوشة على جبين القمر. فقد غنّت الشاعرة للسجين والطريد والشهيد، فمسّت قصائدها الوطن بآلامه وأحزانه، وتناولت اليومي والمألوف، وأصبحت واحدة من روّاد الشعر الفلسطيني المعاصر. وذهبت بشعرها من خلال ما أصدرته من دواوين لتبشّر بشاعرة معطاءة في زمن غابت فيه الشاعرات الفلسطينيات عن الساحة الأدبية. فهي إلى جانب كونها أديبة وباحثة، تقف على رأس مؤسّسة ثقافية، أمينة سرّ لجنة التربية في وزارة التربية والتعليم الفلسطينيّة.

        كبرت مع النكبة التي أبعدتها عن مدينتها يافا، وتحديداً " بيت دجن" مسقط رأسها. لكنّها ظلت ومازالت ملتصقة بها. برز هذا في العديد من قصائدها، عبر رحلتها الشعرية التي بدأت متأخّرة في إصدار مجموعاتها الشعرية، لكونها لم تصدر أولى مجموعاتها إلا في بداية التسعينات، رغم أن الصحف والمجلات عرفتها في الستينيات. فقد أصدرت حتى الآن ستّ مجموعات شعرية إضافة إلى مجموعة قصصية بعنوان " قالت لي الزنبقة " طبعت عامي 93،97م. ومجموعة أخرى بعنوان " لماذا يعشق الأولاد البرقوق" عامي 92،97م. وتمثيليات وإصدارات فكرية في التربية بعنوان " ترشيد المناهج المدرسية، وتعلم كيف تتعلّم بنفسك".

        تُمثّل إصداراتها الشعرية إضاءات متنوّعة، فهي لا تسير على خطّ واحد، وإنما تنوّع وتلوّن في اللغة والفكر والبنية، بحيث تتناسب كل قصيدة مع المرحلة والتجربة بصورة تجسّد الواقع. فكانت أوّل مجموعة لها بعنوان " قولي للرمل "، حيث ضمّت بين دفّتيها قصائد بعيدة عن النبرة الخطابيّة العالية. الديوان يمثّل فترة زمنية متقاربة، اعتمدت فيه على " التفعيلة "  وتجلّت فيه معان سامية تبرز انتماءها إلى الوطن والانصهار فيه، مبتعدة عن التكلّف اللفظي والغموض في المعنى. وقد كانت الدفقات الشعرية القصيرة هي السّمة الغالبة على هذا الديوان.

        المجموعة الشعرية الثانية " الجرح الفلسطيني وبراعم الدم". ورغم أنه صدر عام 1994م، فإنّ معظم قصائده جاءت في أزهى فترات النضال الفلسطيني، بمعنى أن كل قصيدة حملت عبير الأرض، وأزهرت مع حنون الشهيد، وأطفال فلسطين، وهموم الغربة القسريّة. هذا يوقفنا على بنائية فنيّة وموضوعية جديدة في عطاء الشاعرة، مقارنة بالديوان الأوّل. ولا يخالجني شك في أن هذا الديوان يُعتبر نافذة تطلّ بها الشاعرة على الواقع الفلسطيني بكل همومه وثقله. وكم كان عظيماً لو صدر في وقته. فالشاعرة أضحت تعيش الجرح النازف معايشة يومية، حتى أنها افتتحته بقصيدة إلى الشهيد بسام محمد حبش، باعتباره أوّل من مُنح وسام فلسطين بعد استشهاده، من ياسر عرفات، لأنه قتل عقيداً في سلاح المخابرات الإسرائيلية.

        المجموعة الثالثة قدّمت لها بسورة من القرآن الكريم هي " الزلزلة" وعنوانها " أغنية حب للوطن " صدرت عام 1995م. وكُتبت قصائدها مع بداية الانتفاضة، ونُشرت في الصّحف والمجلات. ومن الطبيعي أن تغلب الظاهرة على ما سواها فكانت القصائد عن الأرض، الحجر، الطفل

        إن الشعر إذا لم يحاك الواقع بكل همومه، فلا قيمة له. خاصة ونحن أمام ظاهرة جديدة هي " الانتفاضة الفلسطينيّة ".

        إن التزام الشاعرة الوطني والإنساني نابع من تعاملها مع رؤى الواقع مبتعدة عن الأحلام الوردية، والمغالاة الرمزية في رسم أبعاد النصّ الشعري، لتقف على عتبة الواقع. بل وتغوص فيه لرسم معالم أفقية وسطحيّة، أي بارزة لهذا الواقع من خلال اللغة الجديدة " الحجر، والطفل، ومذبحة الحرم الإبراهيمي"، وغيرها من الصور المبدعة فنياً في سعي منها إلى فنّ رفيع يتناسب مع الحدث.

        مجموعتها الرابعة تهديها إلى شقيقها الشهيد " أحمد "، بعد مرور خمس وعشرين سنة على استشهاده. مغلّفة صدر الديوان بصورته، وكأنه إهداء إلى كل شهداء فلسطين. ويحمل جملة موجّهة إلى أمّها " لا تقولي مات يا أمي" . مستندة في ذلك إلى إرث عقائدي. ونستطيع أن نكتشف من هذه المجموعة، إضافة إلى الصّدق العاطفي، وارتباطها الوثيق بأدقّ تفاصيل الوطن من خلال نوازع إنسانية، ساهمت في خلق تفاعل بنّاء في بُنية القصيدة، قائم على الحبّ، والالتزام، والواقعية.

لقد أدركت الشاعرة القيمة الحقيقية للبعد الذي تحدثه الكلمة والقصيدة في المتلقّي. وعرفت كيف تخترق حجب الظلام، لتمتلك ناصية لغوية شفافة.

الشاعرة معتمدة على الإيحاء بمؤثّراته، والعاطفة بصدقها، واللفظة بمدلولها، والصورة بقيمتها الفنية.

المجموعة الخامسة " رسائل حبّ منقوشة على جبين القمر ". حيث ملك الوطن على الشاعرة لُبّها. فتناولت من خلاله قضايا ذات أبعاد وطنية وإنسانية. واستطاعت أن تكون أكثر إبداعاً. وتمكّنت من ناصية اللغة الشعرية، فاقتربت من هموم الناس. ولكنها اتخذت منه منطلقاً إلى حياة أكثر تحدّياً للواقع ومواجهة للاحتلال.

المجموعة السادسة جاءت مختلفة عن المجموعات السابقة، لكونها تُعبّر عن فترة زمنية عاشتها الشاعرة بعد الاحتلال الإسرائيلي للجزء الثاني من الوطن، حتى أن عنوانها " حفروا مذكراتي على جسدي " جاء تجسيداً تضمّه المجموعة. ورغم أنها صدرت بعد ثلاثين عاماً من الاحتلال الفلسطيني عام 1997، فإنها ومن خلال ذاكرة الزمن الفلسطيني التي لم ولن تنسى مغتصبها مادامت زهرة الحنّون تنمو حتى بداخل الصخرة الصلداء. تبدأ ومن خلال أسلوب سردي إن صحّ التعبير برسم ملامح الاحتلال للوطن وما صاحبه من عنت ومُعاناة وقهر وذلّ، ومعاناة روحيّة وجسديّة، تجسّد في زجّها في زنازين المعتقلات الإسرائيلية بعد عام من الاحتلال.

هذا فإن " قصيدة القدس الحزينة " هي واحدة من القصائد الباكية التي أبدعتها الشاعرة عند زيارتها للمدينة المقدّسة بعد احتلالها مباشرة.

هذه ملامح شاعرة جديدة في مجال الأدب والفكر والبحث المستنير. وصفحة ثرة بالشّفافية المعتمدة على إرهاصات خصبة من التراث، وواحدة من رائدات الشعر العربي المعاصر في فلسطين. تقف إلى جانب شاعرات الوطن العربي بكل ثبات وشموخ.

 

 
 
 
   

 

تم تصميم هذا الموقع سنة 2002 

تم تجديد الموقع سنة 2012 

حقوق الطبع لجميع صفحات هذا الموقع محفوظة لزينب حبش 2012