ما كتب عن الشاعرة

 

 

 

 

في ديوانها الأخير " لأنه وطني "

زينب حبش تراوح بين هاجس الوطن

وعظمة الشهداء وروح التحدّي

 

عبد الحكيم أبو جاموس

 

        صدر مؤخراً  عن مؤسسة "العنقاء للتجديد والإبداع " في رام الله، ديوان شعر جديد  للشاعرة زينب حبش، حمل اسم " لأنه وطني " أهدته إلى الدولة الفلسطينية المنشودة " الحلم الذي عشقناه، والأمل الذي أضاء قلوبنا"، وإلى " الشهداء والأسرى والجرحى، أغلى الأحبة، الذين لولاهم لما تحقق هذا الحلم".

        جاء الديوان في مئة صفحة من القطع المتوسط، وضم ست عشرة قصيدة تراوحت بين الشعر العمودي، المنظوم على بحور الخليل بن أحمد الشعرية المعروفة والشعر الحر الملتزم بالتفعيلة والمراوح في القافية المنتظمة في بضع الأحيان في حين أجرت الشاعرة بعض قصائدها العمودية مجرى الشعر الحر، شكلاً، مثل قصائد: أمي، رباه بارك خطوه، أغنية إلى العراق والفجر القادم.

زينب الدجنية:

     ولدت الشاعرة في بيت دجن- يافا، التي رحلت عنها مرغمة هي وعائلتها وتعرضت لما تعرض له أبناء شعبها من تشريد وتهجير واحتلال، لتستقر في نهاية رحلة العذاب هذه إلى المقام في رام الله.

        عام 1965 وقبل نكسة 67 بعامين، حصلت الشاعرة الدجنية " نسبة إلى بلدها بيت دجن" على شهادة الليسانس في اللغة الإنجليزية وآدابها من جامعة دمشق، فأتاح لها هذا التخصص، الاطلاع على الأدب الإنجليزي بشقيه: الشعر والنثر، لتنهل من معين شكسبير وأمثاله من الرواد المشهورين.

        ثم حازت عام 1982 على درجة الماجستير في الإدارة والإشراف التربوي من جامعة بيرزيت، وعملت في وكالة الغوث الدولية، موجهة للغة الإنجليزية ومديرة تعليم في منطقتي القدس ورام الله وأريحا حتى عام 1995، وهي بذلك ظلت على اتصال بأبناء وأحفاد جيل النكبة.

        وتعمل الشاعرة حالياً، أمينة سرّ لجنة التربية في وزارة التربية والتعليم بمنصب مدير عام، كما تشغل منصب أمينة سر المؤسسة الفلسطينية للتبادل الثقافي في رام الله وهي عضو في اتحاد الكتاب والأدباء وعضو في جمعيتي أصدقاء المريض وإنعاش الأسرة.


        إصداراتها الأدبية:

 

     يُعدّ ديوانها الأخير " لأنه وطني " إصدارها العاشر في عقد التسعينيات- الذي شهد ازدهارا في إنتاجها، بواقع عمل أدبي واحد كل عام- بعد مجموعتها القصصية الأولى " لماذا يعشق الأولاد البرقوق"، وديوانها الأول " قولي للرمل " ومجموعتها القصصية الثانية " قالت لي الزنبقة" وديوانها الثاني " الجرح الفلسطيني وبراعم الدم " وتمثيليات " هذا العالم المجنون " وكتاب في النثر الفني " أغنية حب للوطن " وآخر بعنوان " رسائل حب منقوشة على جبين القمر " وديوانها الرابع "حفروا مذكراتي على جسدي".

        الشهيد أحمد:

     في كل صباح، تطالعني لوحة وضعت في الجهة الجنوبية من دوار ميدان شباب رام الله، أراها  قبل دخولي إلى مقر عملي في وزارة التربية، كتب عليها: شارع الشهيد المهندس أحمد حبش، لم أكن لأعرف من هو الشهيد ويرسخ في ذهني أسم شارعه، لولا قراءتي لقصيدة أحمد، التي رثت فيها الشاعرة أخاها الشهيد، شعرت أن من اقترح تسمية الشارع باسمه، قد أصاب فعلاً لا سيما أن موقع اللافتة لا يبعد عشرات الأمتار عن منزل الشاعرة وذويها مما يعني تكريماً للشهيد وذويه.

        والقصيدة التي ذكرتها، نظمتها الشاعرة على بحر الكامل وكأنها تُبعد النقص عن كل شيء يرتبط بالشهيد ولا ترتضي له سوى الكمال، وهي لا تقف عند هذا الحد، بل تصفه بالفارس الشجاع الثوري، المرتبط بالأرض والمتجذر فيها، عيناه من خمر وسكر، يخطر كالنسيم ويلمع مثل البرق وهو شامة في وجنة التاريخ وقمر متألق في الفضاء وواحة الذكرى الحميمة ومهجة البرق وفينيق العصر ووطن تلفّع بالضباب.

        هذه الأوصاف مجتمعة لا تلتقي إلا في الشهداء، ومنهم أحمد الذي نسبته مرة إلى عائلته "الحبشي" ومرة إلى الثورة " الثوري " ومرة إلى العروبة " العربي " ومرة إلى الفضة " الفضي " بدافع النقاء وبياض السريرة ومرة إلى بيت دجن "الدجني" ومرة إلى الشجاعة " الشجاع ".

        وفي هذه القصيدة استطعنا أن نحصي ثماني دلالات من الأرض والطبيعة أسبغتها الشاعرة على أخيها الشهيد، من شقائق النعمان التي تمثل الدم القاني " دم الشهداء " إلى النعناع المحبب ذي الجذور الضاربة في الأرض إلى العوسج والبنفسج والزنابق والروابي الجميلة والخمائل والواحات والورد المعتق. واستطعنا أن نُحصي كذلك ثمانية عشر نداء، استخدمت فيها ياء المنادي الأمر الذي يعبر عن الحزن الكبير على رحيله وفراقه وابتعاده عنها وما سبب لها من حرقة وألم.

        وهي في هذه القصيدة تكثر من الاستعارات والصور الجميلة، التي تجعلك تشعر بمدى ثقافة الشاعرة واتساع أفقها ومخزونها الفكري، كقولها:تصهل في ابتسامات البنفسج، وتغوص مثل الرمح، ويصير القلب غصن عوسج، وينفرط الضباب، وتترنح الأشواق.

 

                يا أحمد العربي..

                نسجتك أحلامي حريراً

                من رموش العاصفة

                وروتك بالورد المعتق

أغنياتي الراعفة

يا فارساً شد العنان

لمهرة الغسق المقدس

 

فهي تلبس الجماد والنبات وما شابه ذلك، ثوب الحياة، فيصبحان ناطقين متحركين.

       

القصيدة الأم:

     وفي قصيدة " لأنه وطني " التي تردّ فيها الشاعرة على قصيدة لأخيها صخر حبش، بعنوان:"لكنه وطني" يظهر النفس الطويل، ذي الدفق الشعري الذي بثته عبر تفعيلتي الكامل: مُتَفاعلن مُتْفاعلن.

        وهذه القصيدة هي الأطول في الديوان، وهي التي اختارتها الشاعرة اسماً لديوانها، لذا حق لنا أن نسميها " القصيدة الأم "، وهي قصيدة اكتملت عناصرها الفنية والموضوعية، فجاءت في نسيج سلس متقن، تحدثت من خلالها عن الارتباط بين الماضي والحاضر، بما يتعلق بمؤتمر مدريد،  وكأنها تشير إلى الأندلس وفترة الحكم الإسلامي  وما تبعها من خروج المسلمين منها وما لحق بهم من دمار وعار، وتطرقت إلى اتفاقيات السلام، ما طبق منها وما لم يطبق، واقتبست فيها عناوين مقاطعها من شعر أخيها صخر، وبالتحديد من قصيدة " لكنه وطني"، في حين لم تقتبس عنواناً واحداً وهو عنوان مقطع " لأنه وطني" وهي القصيدة الوحيدة التي لم تثبت الشاعرة لها في ذيلها تاريخاً، وفيها أكثرت من استخدام أسلوب الاستفهام والنهي والنداء.

مّن قال  إن البحر يسقط في

شرايين الفناءْ

لا تبتئس يا بحر

فالقدس لا زالت تصلّي

الفجر في عز الحصارْ

ياأيها الشعب المعذّب

في ثنيات السجون

       

روح التحدي والشموخ:

    لم تخل قصائد الشاعرة زينب حبش من روح الانتفاضة والثورة، فهي رغم كل شيء تتمرد على الواقع البائس الرديء، ولا ترضى سوى الشموخ. فالأرض عندها "تنهض مثل عنقاء الرماد" و "تصنع من ظلام الظلم نبع المعجزات" ودولتها تريدها عزيز مكرمة حرة شامخة، وهي تسخر من ذوي الأحلام البسيطة:

 

                فيا أيها القابعون بكهف الخرافة

                لا تحلموا بالمطرْ

                ويا أيها القانعون بخبز الكفاف لماذا

                السفرْ؟

                ويا أيها الحالمون بجنّات عدنٍ

                أفيقوا من الحلم

                إن الإله يوزع جناته

                للذين من الصخر امطارهم تنفجر

                قبل هطول المطر

                ومَنْ يعجنون براحاتهم

                أطيب الخبز

                مَنْ يرفعون لتاريخهم علماً

                رغم أنف القدرْ

وهي لا ترتضي الضعف والنكوص رغم كل شيء:

                سنظلّ رغم رخاوة التاريخ

                نصنع من إرادتنا الخيوط

                نشدّ أوتار الوهنْ

 

وهي تستمد العزم والتصميم من معالمنا الدينية وارتباطنا بها:

 

 

                أما قباب القدس والأقصى

وكل مآذن الوطن الصبور

ستظل كالبركان تشعل ومضة الإيمان

والتصميم فينا

 

وهي تكرر تحديها دون أن تلتفت إلى أي تراجع، إذا تجعل القسم ثلاثاً:

 

                والليل يقسم والنهار

بأن نكون

وأن نكون

وأن نكون

 

والشهداء والأطفال هم أئمة العشاق الذين:

 صنعوا من المتراس

والحجر المجنّح آية للعالمين

 

وحين تتحدث عن عودة السلطة وفرح الجماهير بالعودة والتحرير، تقول:

                عادوا بأيديهم شموع الكبرياء

هم يمسحون دموعنا ودماءنا

هانحن نمسح عن جباههم الغبار

يدهم تصفّق حين نرفع كفّنا

ومعاً نغني للنهارْ

 

 

 

 
 
 
   

 

تم تصميم هذا الموقع سنة 2002 

تم تجديد الموقع سنة 2012 

حقوق الطبع لجميع صفحات هذا الموقع محفوظة لزينب حبش 2012