فهرسة القصص القصيرة

 

 

 

 

 

 

   قصص وحكايات منقوشة في الذاكرة

 

 

 

تأليف

 

طلبة من المدارس في فلسطين

 

 

 

 

الإشراف والتحرير

 

 

 

 زينب حبش                                   أرحام الضامن

وزارة التربية والتعليم العالي                   مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي


 

 

 

الإهداء

 

 

 

إلى أطفال العالم


 

 

شكر وتقدير

 

 

 

أتقدّم بالشكر والتقدير إلى كلّ الأخوة والأخوات في مديريات التربية والتعليم في جميع محافظات الوطن، وإلى المدارس التي شاركت في هذا العمل، خاصة الطلبة الذين عبّروا في كتاباتهم عن رفضهم للاحتلال. ومن الجدير ذكره، أن معظم القصص كانت تحمل حسّاً إنسانياً مُحبّاً للعدل والسلام، ورافضاً للقهر والظلم.

 

وأشكر الأخت أرحام الضامن التي ساهمت معي في فرز القصص الفائزة، وفي التدقيق اللغوي. وكذلك الأخت رانية الطاهر، التي قامت بالطباعة.

 

كما أخصّ بالشكر، السيد جهاد قره شولي، الأمين العام للجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم، الذي قام بتغطية تكاليف الطباعة والنشر لهذا الكتاب.


 

 

المقدمّة

 

        منذ بدأت انتفاضة الأقصى في 28/9/2000م، والقصص المذهلة التي نشاهدها يومياً على شاشة التلفاز، تنغرس في عقولنا وقلوبنا. كنت أدرك مدى تأثير تلك الأحداث على أطفال المدارس. فوجهت كتاباً إلى مديري المدارس ليطلبوا من جميع الطلبة أن يعبروا بالكتابة والرسم عما يشاهدونه، لعلّ ذلك يخفف من شدّة أثره عليهم في المستقبل.

        ثم أتبعت ذلك بكتاب آخر، أطلب فيه من مديري التربية أن يختاروا أفضل ما يكتبه الطلبة من أجل توثيقه في كتاب يحمل عنوان " قصص وحكايات منقوشة في الذاكرة".

        وقد كان تعاون الأخوة والأخوات في مديريات التربية وفي المدارس يستحق كل التقدير. حيث شارك الطلبة في جميع الصفوف بهذا النشاط، فقامت المدارس بفرز أفضل القصص وإرسالها إلى المديريات، ومن ثمّ قامت المديريات بفرز القصص التي وصلتها ثم إرسال أفضلها إلى الوزارة.

        كان عدد المشاركين في كتابة القصص التي وصلت الوزارة (245) طالباً وطالبة. منهم (145) في المرحلة الأساسية و (100) في المرحلة الثانوية. وكان عدد الطالبات المشاركات (150) طالبه، وعدد الطلاب (95) طالباً.

        تشكلت لجنة من أ. زينب حبش و أ. أرحام الضامن لاختيار أفضل القصص، وكان عددها (38) قصة متنوّعة من المراحل المختلفة. فكان عدد الفائزين (27 ) طالبة و (11) طالباً.

        حاولنا أن نجري بعض التدقيق الذي لا يؤثر على مستوى أي نص ليظلّ محتفظاً بروحه وعفويته.

        هذه القصص والحكايات ، ستظلّ منقوشة في ذاكرة التاريخ، لتكون شاهداً على الجرائم التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي خلال العام الأوّل لانتفاضة الأقصى، والتي إن عبّرت عن شيء ، فإنما تُعبر عن الممارسات التي تنتهك حقوق الإنسان الفلسطيني، صغيراً كان أم كبيراً، رجلاً أم امرأة، طفلاً أم شيخاً. ثم تطورت لتطال كلّ المرافق الحيوية والمدارس والمستشفيات والحقول والدواب وحتى الطيور والأشجار، ولم تسلم مدينة ولا قرية ولا مخيم، من آثار هذا الاحتلال الغاشم الذي سيظلّ وصمة عار على جبين الإنسانية في هذا الزمان وكلّ زمان.

 

زينب حبش

1- زيتونة

2- مازلت أنتظر

3- حين فقدت نصف عمري

4- لماذا قتلوه؟؟

5- مات أبي في حضني

6- الكوابيس تطارد ذاكرتي

7-حتى لو حل السلام

8-شعرنا بأن الليل لن ينتهي

9-الامتحانات والقصف العنيف

10-حكاية شهيد

11- طفلة أنا

12- نام الجندي ويده على الزناد

13-قصة الشهيد محمد

14- بعد الدمار!

15- طريق الشهداء الأبطال

16- شمس الحرية

17- أحلام واسرتها

18- قصة طفل فلسطيني

19- أثناءعودتي من المدرسة

20- أحمد والخطر

21- طالب في مأزق

22- ضجة في ليلة هادئة

23- الأيدي الملطخة بدماء الأبرياء

24- محمد جمال الدرة

25- فرحتي. خوفي . دعائي

26-عصفورة أنا

27- حب الوطن

28-اطفال فلسطين يبحثون عن السلام

29- قصة معتقل

30-الأمان المفقود

31- صرخة ألم وتوجع

32- بطولة واستشهاد

33- أمل بلا أمل

34-أين نحن من أطفال العالم

35- شجاعة حجر

36- إلى متى يا أبي؟!

37- قلبي والانتفاضة

38- مأساة عائلة


 

زيتونة 

 

إيمان علي فياض                                   

الصف السادس الأساسي( مدرسة ابن النفيس الأساسية الدنيا المشتركة- خانيونس)

 

 

جدتي جاوزت السبعين، أخذتْ منها السنون نعمة السّمْع، وأعطتها ذاكرة قوية، فهي لا تكفُّ عن ذكر الماضي والذكريات العزيزة على نفسها.

          تصحو من النوم، تجلس تحت زيتونتها، وتنادي على الدجاجات. تبذر لهن الحب، وتستمتع بالنظر إليهن، تراقب سعادتهن بالتقاط الحب.

جدتي تحب الحياة، تحكي كثيراً عن شجرة الزيتون. تقول: إنّها وُلِدتْ تحتها وإنّ أمها ماتت تحتها أيضاً.

وفي ليلة طويلة تأخّر صبحُها، هاجم المستوطنون حقلنا، جرفوا المزروعات، وهدموا ما في طريقهم، واقتربوا من بيتنا.

أيقظتْنا أصواتُ الطلقات، ومحركات الجرافات التي كانت ترافقهم، و أَخذَنا أبي خارج المنزل. اختبأنا من الجرافة وطلقات البنادق، خلف لا شيء. جلسنا في العراء ننظر إلى الجيش وهو يهدم ويخرّب.

تذكّرْنا أننا نسينا جدتي في المنزل. لم نوقظْها لتهربَ معنا، ولم تكن لتسمع آلة الخراب.

فاستمرت في نومها هانئة، وحين أقبل الصبح، انصرف الجنود اليهود مخلّفين المزرعة أطلالاً. لم يهدموا البيت، ولكنهم هدموا كل شيء.

كان أمام أبي مهمتان صعبتان: الأولى إصلاح حظيرة الغنم، والثانية أن يشرح لجدتي أين ذهبت الزيتونة.


 


 


 


 

 

 ما زلت أنتظر

 

  فداء سعيد دحلان                 

الصف الثاني عشر ( مدرسة خانيونس ث أ بنات)

 

 

          ما زالت ضلوعي ترتجف، وعيناي تدمعان كلما استعادتْ ذاكرتي استشهادَ ابن عمي أحمد، الذي كان بمثابة أخ لي وصديق. كان يوماً أسود حين أقبلت ابنةُ عمي الصغيرة ترتجف وتصرخ: "أحمد طخوه اليهود".

 لم أصدق، فقد كان منذ ساعتين يتحدث معي، وهو في طريقه إلى المدرسة.

خرجتُ مسرعة إلى بيتهم المجاور، فارتعبت أكثر حين رأيت زوجةَ عمي  أم أحمد تبكي وتهذي" يا حبيبي يا أحمد". وحين رأيت جدتي مغشيّاً عليها.

كان الجيران مجتمعين للتخفيف عنهم. لم أتمالك نفسي فانخرطت في البكاء، ثم جلستُ أقرأ القرآن وأدعو لأحمد.

أطلّ خالي وقد اصفرّ وجهُه من الصدمة. اندفعتُ نحوه ورجوْتُه أن يَصْدُقَني القول عن حالة أحمد، فرد بأنّ إصابته في قدمه. لم أصدّقْه. سألت الآخرين، فأجابوني نفس الإجابة. وبينما أنا جالسة أترقب هاتفاً أو خبراً، سمعت صوتَ أمي يتطاير إلى مسامعي، وهي تسأل خالي عن إصابة أحمد، فأخبرها بأن إصابته بالرأس، وقد أصيب حين كان يحاولُ إنقاذَ جثتيْ شابّينْ قتلهما الصهيانة، وألقوا بجثتيهْما إلى جانب السيارة العسكرية، وأخبرها بأن حالته خطرة، حيث تمّ تحويله إلى أحد المستشفيات الإسرائيلية.

مرّ علينا يومان من الانتظار. وفي يوم 13/11/2000م، عدتُ من المدرسة لأرى البيت وقد لفّه الصمت، وكان أحدُ أقاربنا يحاول الاتصالَ بالمستشفى للاطمئنان عليه. وعند أذان العصر توضّأت لأصلي. دخلتُ الغرفة فإذا بعمتي وابن عمي يبكيان. لم أتمالك نفسي فسقطت مغشياً عليّ، ولم استيقظ إلا على صوت الهتاف، فنظرت من الشباك لأرى مالم أتمن، رأيت كلمات النعي مخطوطة على الجدران، فصرخت عليهم بألا ينعوه، فهو مازال حياً. ولكن لم يلتفت اليّ أحد. فقد استشهد احمد.

في اليوم التالي ودعنا أحمد لنودع معه نجماً من السماء. ولكنني ما زلت انتظر عودتَهَ. ما زلت أنتظر أن يَفتح الباب، ويقول لي مداعباً كالعادة "بخ"

 

  •  قصة استشهاد أحمد حسن دحلان 


 


 


 


 

 حتى لو حلّ  السلام

 

 

دعاء سعد قشطة                              

الصف الرابع الأساسي ( مدرسة آمنه بنت وهب الأساسية- خانيونس)

 

 

لن أنسى تلك الليلة المرعبة. حين كنت أذاكر دروسي للغد. فإذا بي أسمع صراخا قويا اختلط بأصوات القذائف. أطلّت أختي آلاء برأسها من النافذة، فإذا بالشوارع تغصّ بصُراخ الأطفال والرجال والنساء: صراخ الخوف الذي اخترق دماغي. راحت أمّي تبحث عنا في حجرات المنزل، وأخذت توقظ إخوتي الكبار والصغار وهي تنادي علينا بصوت مبحوح وبدموع يخنقها الغضب والرعب. كنت خائفة جدا من القصف. كان أبي يقول: " لا تخافوا إنّ الله معنا. أطفئوا الأنوار" فقلت لا يا أبي لا تفعل، حتى لا يقصف المجرمون بيتنا.

كان أخي الكبير محمد يلتفت حوله ليطمئنّ علينا وكنت أدعو الله أن يهدأ القصف ولكنه كان في ازدياد، لقد قُصفت الكثيرٌ من منازل المدنية.

هذه الليلة المرعبة لن أنساها ما دمت حية، حتى لو حل السلام.


 


 


 


 


 

حين فقدت نصف عمري

 

  فداء سعيد دحلان                 

الصف الثاني عشر ( مدرسة خانيونس ث أ بنات)

 

 

كانت ليلة رمضانية باردة، حينما استيقظتُ على صوت أمي وهي تنادي " ( قوموا يا أولاد، لقد بدا القصف ) ولكنها لم تكن ككل ليلة، حيث كانت الأمطار تتساقط بغزارة، والرياح تلفح وجهَ كلِّ من يطل من شباكه. ومع ذلك فقد خرج جميعُ الناس إلى الشوارع.

وقفتُ مَعَ أمي قرب الشباك لمراقبة ما يجري. بدأت نداءات الاستغاثة تعلو وتعلو عَبْرَ مكبرّات المساجد " حىّ على الجهاد ---- حىّ على الجهاد. إخوانكم في المعسكر الغربي بحاجة إليكم".

أسرع الشبان لتلبية نداء الوطن، وبدأ الموقف يشتدّ حدّه، حيث انهمرت الأمطار واشتدت الرياح وازداد القصف. وكان صوت المذياع يغني " القدس ح ترجع لنا " وفي اللحظة نفسها قرأت على شاشة التلفاز " خبر عاجل ، انضم إلى قافلة الشهداء الشاب مهدي أبو رمضان". لم أصدق. كان مهدي جارَنا، وكان استشهادُه بعد استشهاد ابن عمي أحمد بشهر واحد.

لم أصدق أن يستشهد شابان من حارتنا في شهر واحد.

بدأ الشبان يتجمعون أمام منزل الشهيد. استيقظ اخوتي الصغار على صوت القنابل والصواريخ والرصاص، فرحُت أهدّئ من رَوْعهم، وبخاصة أختي الصغيرة التي لم تتجاوز الأربع سنوات، والتي أخذت تمطرني بوابل من الأسئلة، التي لم أستطيع أن أجيب على الكثير منها، إذ راحت تسألني وهي ترتجف " بدهم يموّتونا اليهود ؟!! ولما يموتونا اليهود  يدفنوا معنا فوانيس رمضان ؟؟"

بقينا على هذا الحال حتى بزغ الفجر، ورحل الليل وقد طوى بين طياته أربعةَ شبان ممن هبوا للدفاع عن أرضهم غيرَ آبهين بالموت.

لقد كانت ساعات مرعبة، انقلب فيها الليل نهاراً، وشعرت فيها بأنني فقدتُ نصفَ عمري.


 


 


 


 


 

لماذا قتلوه ؟؟

 

زينة مصطفى شعت                 

الصف الثاني عشر ( مدرسة خان يونس ث أ بنات)

 

 

بعد أن انتهيت من صلاة العصر، شرعت أقرأ آيات من ذكر الله الحكيم. وفجأة سمعت صوتاً وأي صوت !! إنه صراخٌ لم أستطع أن أميّزه أهو صراخ نساء أم بكاء أطفال ؟؟

أسرعت إلى النافذة فرأيت منظراً مروّعاً، لم أشعر بنفسي إلا وأنا في الشارع العام. لا أدري كيف وصلت إلى هناك. أخذت أتقدم حتى وصلت ذلك الرجل الملقى وهو يسبح في بركة من دمه، ورأسه فارغٌ من المنتصف، وهناك كومة لحم بجانبه. لم أشعر بنفسي إلا وأنا أضمُّه وأبكي بحرقة.

اقتربت امرأةٌ مني وقالت لي : " هل أنت ابنتُه، البقاء لله ".

لم تعرف تلك المرأة أننا شعب تربطنا رابطةٌ واحدة، فنحن جميعا أبناء الأقصى، لا بد أنها ليست فلسطينية و إلا لما سألتني ذلك السؤال!

أخذت أتساءل: لماذا يحدث لنا كلّ ذلك؟ ترى ما موقف أهله عندما يعلمون ؟ هل له زوجة وأولاد؟ وأمه، هل هي على قيد الحياة؟ وأبوه على هو حي يرزق؟

وصلت سيارة الإسعاف وحملوه إلى المستشفى.

أحسست بأن يداً صغيرة تمسك بي، إنه طفل. أخذته وضممته كي أساند طفولته البريئة. فقد كان يبكي ويقول لماذا قتلوه؟؟

لم أعرف بماذا أجيبه، اكتفيت بقبلة بريئة طبعتها على وجنتيه ورحلت.


 


 


 


 


 

مات أبي في حضني

 

زينة مصطفى شعت                      

الصف الثاني عشر ( مدرسة خان يونس ث أ بنات)

 

 

أوصيتُه أن يُحضِرَ لي الكتاب الذي طلبت، طبعَ قبلتَهُ المعتادة على خدي وذهب.

ناديته بابا بابا لا تذهب. وعانقته بقوة. شعرت بأنني لن أراه ثانية، ابتسم وقال: لن أتأخر.

لا أدري ما سرُّ هذا الإحساس؟ كنت قلقةً فعلاً.شعرت بأن أمراً ما سيحدث " استر يا رب" بعد دقائق معدودة من خروجه، سمعت صوت طلقات رصاص، ركضت إلى النافذة.. إنه أبي !! نعم أبي ملقى في الشارع.

خرجت مسرعة إلى الشارع بابا .. بابا.. لا لن تموت، يجب أن تعيش، يجب أن ترى ابنتك وهي مهندسة، يجب أن تهنئني عندما أنجح. أرجوك يا بابا لالالا تمت.

سأحقق لك أحلامك. انهض يا فرحة عمري كي لا تقتل عمري.

حينئذ أمسك بيدي والدموع في عينيه وقال: لا تبكي يا حبيبتي ولا تعذبيني، فقد جاء أَجَلي ومرحبا بلقاء ربي. أوصيك بأمك وأخوتك. أوصيك بهم. ومسح دموعي وقبّلني ومات.

مات الذي أحيا من أجله، مات دون أن يقترف ذنبا. مات لأنه أراد أن يُحضر لي الكتاب !!! مات لأنّه فلسطيني !!! يا ألهي ما أصعب الظلم !! لماذا أبي بالذات. لماذا ؟؟؟

غابت شمسي، وقتلت بسمتي لكي يضحك شارون وينام وهو مرتاح. !!!

مات أبي في حِضني، ودمه في يدي. من سيسهر معي؟ من سيفرح بنجاحي؟ من سيمدني بالصبر والقوة؟ من سيمنحني العطف والحنان؟

وماذا اقترفت من ذنب لأستحق كلَّ هذا ؟؟


 


 


 


 


 

الكوابيس تطارد ذاكرتي

 

شاتيلا خميس طومان                      

الصف الثاني عشر ( مدرسة خان يونس ث أ بنات)

 

 

أمسكتُ القلم بيد مرتجفة لكتابة بعض دروسي، سرعان ما انزلق القلم من بين أناملي المرتجفة. فمِلت برأسي، وأطلقت العِنان لمخيلتي، فإذا بها الصورةُ التي تراودني دائما وأبدا، صورة الشهيد شاكر حسّونة  بين قبضات جنود الاحتلال الغاشم، الذين أخذوا يجرون جثتَه عَبْرَ الممرات المرصوفة، وكانت دماؤه الطاهرة ترسم خطاً متعرّجاً على ذرّاتِ ثرى الوطن لتروي ظمأه. وتملكني الغضب والحقد، عندما تذكرت صورةَ الجندي الوغد، الذي كان يمسك بيده هاتفَه النقّال وهو يضحك ساخرا، وبيده الأخرى يقبض على طرف قميص الشهيد الذي تتلاقفه أيدي الجنود الثلاثة الآخرين.

جعلت أتساءل حائرة: لم هذه الوحشية المطلقة؟‍! ألم يكفهم أنهم قتلوه ؟!

وبينما أنا غارقة في ذلك الكابوس، أفقت على يد تجذبني بقوة، فالتفت فإذا بها أختي تحثُّني على مواصلة الدراسة، فأومأت برأسي استجابةً لها، دون أن أنطق بكلمة.

ثم وضعت يديّ على عينيّ وجعلت أضغط عليهما بقوة وكأنني أحاول عابثة انتزاعَ تلك المأساة الراسخة في ذاكرتي. ولكن هيهات، هيهات أن تنسى، فالذاكرة مفعَمة بكثير من المآسي الموجعة. رفعتُ يدي عن عينيّ لأرى ألوان الغضب الحمراء والسوداء أمامي، وبعد تلاشيها، شاهدت أختي الصغيرة وهى تُدير عابثةً قنواتِ التلفاز، لأرى صوراً لمآسٍ جديدة، فأغلقت كتبي، واعتدلت لأضيفَ إلى ذاكرتي صوراً أخرى من المآسي والأحزان ، إضافة إلى مأساة محمد الدرّة، وعصام جودة، والشهيد شاكر حسونه و .


 


 


 


 


 

 شعرنا  بأن الليل لن ينتهي

 

دلال منصور الجمل                          

الصف التاسع الأساسي ( مدرسة حليمة السعدية العليا للبنات)

 

 

لن أنسى تلك الليلة المرعبة. فحين كنت احضر دروسي للغد، إذا بي اسمع فجأة صراخا قويا اختلط بأصوات القذائف. أطللت برأسي من النافذة، فإذا الشوارع تغص بصراخ الأطفال والنساء والشيوخ والرجال، وبصيحات الهلع التي اخترقت دماغي. راحت أمي تبحث عنا في حجرات المنزل، وأخذت توقظ اخوتي الصغار وهي تنادي عليهم بصوت مبحوح يخنقه الغضب والرعب. طلبت منا أن نخرج جميعاً من البيت وقالت: ( تعالوا نموت معاً). نزلنا إلى البستان أمام البيت، وجلسنا على الأرض.

راح أخي الصغير عبد الرحمن وأختي سوسن يبكيان والدموع تنحدر على وجناتهما بغزارة، شعرنا بأن الليل لن ينتهي. رحنا جميعاً ننظر إلى الطائرات المحلقة فوق منزلنا، والى الصواريخ التي تتساقط منها على المباني المجاورة، وعلى مقرات الشرطة. أحسسنا بأنها تسقط على رؤوسنا وتحرقنا.

ازداد رعبنا. فأبي كان لا يزال في الجامع يؤدّي صلاةَ العشاء والتراويح. ولما رجع إلينا كان وجهه مصفرّا من شدة الهلع، لكنه حين وجَدَنا في البستان اطمأنّ قلبُه وراح يهدّئنا قائلا: لا تخافوا فلن يصيبنا إلا ما قدّر الله لنا. واثناء ذلك، نزلت امرأة عمي وابنها الوحيد، وكذلك امرأة خالي بكر وامرأة خالي حسين، وكن يحملن أطفالهن على أذرعهن وهم نائمون، وحين استيقظ الأطفال على صراخ الناس، أخذوا يبكون بفزع شديد.

لقد كانت تلك الليلة العصيبة، مملوءة بالأحداث المخيفة والمثيرة، التي لا يمكن أن أنساها طيلة حياتي.


 


 


 


 


 

الامتحانات والقصف العنيف

 

سامر صبحي القادري              

الصف العاشر ( مدرسة هشام بن عبد الملك)

 

 

بينما كنا نتناول طعام العشاء، إذا بصوت عال قادم من خارج البيت، فبدأ الأطفال بالبكاء، وتكرر ذلك الصوت حتى أصبح متتاليا غزيراً كحبات المطر. ذهبت أمي إلى اخوتي تطمئنهم وتضمهم إلى صدرها. ومن ثم خرج والدي ولم ندر إلى أين ذهب، فبقينا قلقين عليه. وفي الوقت نفسه خائفين من الخروج للبحث عنه.

وعندما وصل والدي الشارع وجد الجيران مجتمعين. فوقف عندهم وألقى التحية وهو متردّد، فلم يسمعوا ما قاله من شدّة خوفهم. سألهم بصوتٍ خافت: " أتسمعون ما أسمع"؟ فأجاب الجميع بصوت واحد: نعم نسمع صوت الصواريخ والرصاص، ثم شاهدوا وميضاً مرّ من فوقهم، فذهب كلُّ واحد إلى منزله ليطمئنّ على أبنائه.

أصيب مخيم عقبة جبر بخسائر كثيرة، وأُصيب جدار منزلنا بالرصاص، كما أصيب خزّان الماء. لم نستطع النوم من شدة الخوف. ولم نستطع الاستعداد لامتحانات نهاية الفصل الدراسي الأول التي ستصادف يوم غدٍ، لسوء الحظ. إذ أننا لم ندرس شيئا.ً ذهبنا إلى المدرسة ونحن لا نعلم بماذا سوف نمتحن. فقد قام جنود الاحتلال في نفس الليلة بإطلاق النار على محّول الكهرباء الرئيس الذي يغذّي المخيم، مما أدى إلى قطع التيار الكهربائي لمدة أسبوع.


 


 


 


 


 

حكاية شهيد

 

روان محمد                               

الصف الثالث الأساسي ( مدرسة ذكور دير سامت الأساسية )

 

 

سأحدثكم عن قصة من قصص الانتفاضة التي سقط ضحيتها الكثير الكثير من أبناء شعبنا. استشهد البطل الشهيد محمد محمود الحروب ابن قرية دير سامت، وهو يدافع عن وطنه، ويقاتل الصهاينة وجها لوجه في منطقة الخضر ببيت لحم بتاريخ (1-11-2000)م. وكان مصير هذا الشاب البطل أن استقبل رصاص العدو الحاقد بصدره دون تخاذل أو خنوع. فضّل أن يقتل في سبيل الله، وزهد في حياته، تاركاً وراءه أربعة أبناء ما زالوا صغاراً، وزوجة وأم أرملة، وأخوة أيتام في أشد الحاجة إليه، حيث أنه أكبر اخوته سنا. وكان يتولى مسؤولية هذه الأسرة الحزينة بعد وفاة والده اثر مرض، في سن مبكرة. فكان الشهيد محمد نبراسا وعلما من أعلام وأبطال هذه الانتفاضة العظيمة. انتفاضة الأقصى، مثل غيره الكثير من الأبطال الذين لا يقلّون عنه في التضحية والنضال، هذه قصة صغيرة تتكرر في كل بيت وفي كل مكان من وطننا الحبيب وأرضنا الغالية.


 


 


 


 


 

طفلة أنا

 

هديل الحروب                         

الصف الرابع الأساسي ( مدرسة ذكور دير سامت الأساسية )

 

 

طفلة أنا. تحكي قصة مريرة. قصة الطفولة التي عانيناها وما زالت تعيش بداخلنا أطفالا وشبانا وشيوخا، قصة الطفل البطل الشهيد ( محمد الدرة) الذي شاء له القدر أن يدوّن في سجل هذا التاريخ العريق، تاريخ التضحية والفداء. طفل برئ لا ذنب له سوى أنه صحب أباه جمال الدرّة، أثناء سيره في أحد شوارع غزة. وكان مصير هذا الطفل أن تلقى رصاص الغدر واللؤم من غير سبب. يا لهذا الوالد المسكين، الذي صرخ في وجوه بني صهيون: هذا طفل لا تطلقوا النار، محاولا أن يحمي فلذة كبده وقد وضعه تحت إبطه، كما يرفرف الحمام على صغاره، ولكن كيف لعدو حاقد، أن يعي ذلك.؟! فقد استمروا في إطلاق رصاصهم إلى أن فاضت روح هذا الطفل إلى بارئها، تشتكي ظلم اليهود المجرمين.

هذه إحدى قصص الطفولة التي تجرعنا مرها منذ نعومة أظفارنا.


 


 


 


 


 

نام الجندي ويده على الزناد

 

إسراء الشيش                            

الصف الثامن الأساسي ( مدرسة بنات أريحا الأساسية العليا)

 

 

لن أنسى ذلك اليوم أبدا ما حييت. فهو يوم حزن منذ الصباح. إذ مرض أخي الصغير فصحَبتْه أمي إلى عيادة الطبيب. وقد عادت متأخرة إلى البيت. فبدا عليها التوتر الشديد، إذ لم يبق على آذان المغرب سوى ثلاث ساعات، وعليها إعدادُ طعام الإفطار. انهمكنا جميعا في مساعدة أمي في إعداد الطعام. كانت ساعات صعبة حقا. ولكنّ الفرصة كانت عظيمة إذ أنجزنا عملنا قبل الوقت، وجلسنا جميعا حول المائدة ننتظر المؤذّن ليرفعَ الأذان. كنت واقفة بالقرب من الشباك لسماع الأذان فسمعت دوي طلقات. ازدادت كثافة النيران. ويا لهول ما رأيت! رصاصات تخترق غرفة الضيوف. أصابنا الذعر إذ سمعنا أصوات قذائف قال أبي إنها مدفعية. فقام وجمعنا في غرفة نومه لأنها الأكثر أمنا. استمر إطلاق النار أكثر من ساعة دون توقف. حاول أخي الكبير التخفيف عنا بنكاته المرحة فيقول تارة " لصقت يد الجندي على الزناد " ومرة " نام الجندي ويدُه على الزناد ". توقف بعدها إطلاقُ النار وسمعتُ همس أمي تتمتم بآيات من القرآن الكريم.

وحضرت للاطمئنان علينا جارتنا " أم حسن " وقالت: يقولون إنهم قصفوا مركز الشرطة والمخابرات في المخيم، ويقولون إن هناك حشودات كبيرة على مدخل أريحا. لم أنم تلك الليلة من شدة الخوف إذ أصابني إحساس بان اليهود سيحاولون اقتحام أريحا ولكنهم لم يفعلوا.

أخذ هذا المشهد يتكرر يومياً حتى اعتدنا عليه كما اعتدنا على همس أمي تردد قوله تعالى " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ".


 


 


 


 


 

قصة الشهيد محمد

  

                                                                               أياد عبد الرحيم جلاد               

الصف الثامن الأساسي ( مدرسة احسان سمارة الثانوية )

 

انطلق صوت الأذان لصلاة العصر، عَبْر مكبّرات الصوت. وكانت أم محمد جالسة مع جاراتها في ساحة صغيرة أمام البيت يَقطُفن الزعتر، ويتبادلن الحديث عن شهداء الأقصى، ومحمد الدرة، وعن المعاقين، وعن الحصار، وعن القصف، وعن منع أزواجهن وأولادهن من التوجه إلى العمل، وعن اشتياق فلانة إلى زيارة أختها، وعلانة عن حنينها لأمها التي لا يفصل بينهما سوى أميال قليلة، وعن هموم الدنيا، وتذكرهن لتلك الأوقات قبل أشهر حيث كنّ يتوجهن إلى قاعات الأفراح والأعراس، وعن السعادة والارتياح التي شعرن بها في ظل سلطتنا الحبيبة.

كن يسمعن صوتَ أقدام الرجال وهم يتوجّهون إلى المسجد، والأولاد فرحون يتراكضون خلف الكرة، فخرجت أمَّ محمد تسألُ عن أولادها وتقول: أين ذهب محمد؟ .. تردّد الأطفال وهم ينظرون حولهم ويبحثون عن محمد، فقال لها أحد أصدقائه: لقد ذهب مع الشباب إلى الحاجز حيث تدور هناك اشتباكات بين قوات الجيش التي تُطلق رصاص الخمسمائة والثمانمائة والغاز المسيل للدموع، وشبابنا الذين يتصدون لهم بالحجارة.

قالت إحدى الجارات: "الله يحماهم ويستر الأحوال". فجأة ارتفعت أصوات صافرات الإسعاف مسرعة إلى المستشفى، وكان صوتها وكأنه ينعي أحداً. وتطايرت حمامات بيضاء ترفرف فوق المسجد.. سكت الأطفال . توقفت أيدي الجارات عن قطف الزعتر. فجأة أحست أم محمد أنّ قلبها قد توقف عندما رنّ جرس الهاتف، وقيل لها: إن محمداً قد أصيب، وهو في المستشفى القريب.

حلّ الحزن على البيت، وأخذت أم محمد تقفز ولا تدري ماذا تفعل أو ماذا تقول .. الجارات يحاولن تهدئتها ولكن دون جدوى

وصلت أم محمد المستشفى، وصعدت الدرج مسرعة لرؤية ولدها الجريح، كما قيل لها احتضنته وبدأت تقبله "سلامتك يا حبيبي أين أصابتْك الرصاصة؟ ماذا جرى؟ كانت تبكي وتتكلم، وتتحسس جسمه في آن واحد ولكن محمد لم يرد".

لم يتكلم . لم يتحرك. جسده بارد ابتسامته تزين وجهه صرخت صاحت ولدي ولدي ولدي

احتضنها رفاقُه وهم يقولون لها نحن أبناؤك يا أمّ  محمد .. محمد لم يمت محمد حي.. لحظات حزينة ، تجمّع الرجال بالآلاف يهتفون" بالروح بالدم نفديك يا محمد".. وتجمعت النساء يزغردن، ويشجعنَ أم محمد على الصبر.

قالت لها إحدى الجارات: سلمت يا قلبَ أم محمد، يا صانع الرجال.. سلمت يا سواعد أم محمد، يا صانعة التاريخ.. أنت رمز فلسطين للعطاء والتضحية، رغم كل ما عانيناه من قصف، وقتل، واعتقال، وتشريد، ورغم  ما عانيته بفقدانك لأبنك، إلا أنك تقفين صامدة مزغردة في عرس حبيبك محمد.


 


 


 


 


 

بعد الدمار !

 

محمد عثمان ذياب                    

الصف التاسع الأساسي ( مدرسة ذ. تياسير الأساسية )

 

 

بعد عشرة أيام من الحصار، حاولت القوات الإسرائيلية اقتحام البلدة، وقامت بنشر الدبابات على الطريق المؤدّية إليها، واستعدّت للمهاجمة. وما هي إلا لحظات إذا بصوت انفجار عنيف قد دمر مركز الشرطة القريب من منزلنا. امتلأت نفوس الأطفال بالرهبة، وأخذوا يصرخون فزعا من شدة الصوت والضوء القوي الصادر عنه، كان أخي الصغير نائما فهبّ فّزِعا وهو يصرخ أمي .. أمي.. سأموت. أخذت أنا وأمي بجمع اخوتي وإيقاظهم لنهرب من المنزل، فهربنا إلى منزل عمي أحمد، وفي غضون ذلك أتى أبي إلى المنزل للبحث عنا فلم يجدنا، ووجد البيت قد دُمّر.

خاف وامتلأ قلبه بالرعب علينا، وأخذ يزيح ركام البيت، فلم يجد شيئا، فأخذ يجري كالمجنون وأخبر خالي بذلك.

آتى خالي يبحث عنا في بيت عمي أحمد، وذهب أبي إلى عمي سعيد، وكان كل منزل منهما بعيدا شيئا ما عن الأخر.

ذهب خالي ليخبر أبي بأننا في بيت عمي أحمد ليطمئنه علينا. وجده ملقى في الشارع وقد أصيب بصدمة. فحمله إلى منزل عمي سعيد. وحين رآنا اطمأنّ قلبه . استمر القصف وحين لاح الفجر هدأت الأحوال، فإذا بخبر يقول إن أربعة أشخاص قد استُشهِدوا جرّاء ذلك، كما دُمرت الكثير من المنازل، وحين ذهبنا إلى منزلنا وجدناه كومة من الركام.

لقد كانت ليلة مفزعة ولن تنسى أبداً.


 


 


 


 


 

طريق الشهداء الأبطال

 

رهام جاسر               

الصف العاشر ( مدرسة ذ. مسحة الثانوية )

 

مجاهد شاب في الثامنة عشرة من عمره، وهو طالب في مدرسة الأمجاد، يعيش في قرية غنيّة بالبساتين، أهلُها يُحبّون العلم. فمجاهد من الأوائل في مدرسته، ويدرس المواد العلمية، وهو الآن في الثانوية العامة. ولمجاهد أربعةُ أخوة ذكور وأختان، وهو أكبرهم واسم أبيه صابر وأمه فلسطين.

وقرية مجاهد كغيرها من القرى في فلسطين في هذه الانتفاضة المجيدة، تتعرض لاعتداءات من قبل الصهاينة الغادرين. لكن أهل القرية يصدون عدوان الصهاينة بأرواحهم، وبكل ما يملكون، ومجاهد واحد من أهل هذه القرية الصامدة.

وفي ليلة من الليالي، هجم الصهاينة من قطعان المستوطنين وجبناء اليهود المسلحين بالنار على قرية (العز) فخرج أهل القرية ليتصدوا لهم بكل ما يملكون، ومن بين الذين خرجوا البطل مجاهد وأبوه.

دارت مواجهات دامية، حيث كان الشباب يضحون بأرواحهم، ليدافعوا عن كرامتهم وليصدوا عدوان اليهود. صمد الشباب طويلا في وجه العدو المسلح بأحدث الأسلحة، بينما كان سلاح الشباب الحجارة والزجاجات الفارغة، والحارقة أحياناً.

كان هدفهم الدفاع عن أعراضهم، وعن الأرض المقدسة وعن كَرْم الزيتون، وعن الأطفال الرضّع. كان موقع الشباب بين أشجار الزيتون، بينما كان العدو متمركزاً وراء الجدران الأسمنتية التي وضعوها ليحموا أنفسَهم من الحجارة والزجاجات.

استمرّت المواجهات ساعات وساعات، ثم توقفت. وعاد المستوطنون الجبناء من حيث أتوا، وانطلق الجميع ليبحثوا عن الجرحى لإسعافهم. ولكن ماذا نرى هناك تحت تلك الأشجار في بستان أبي مجاهد؟ انه شاب قضى ليلته يزحف تحت أشجار الزيتون، يبحث عمن يُسعفُه ويساعدُه، ليحيا ويحارب عدوّه بحجر بلاده، لكنّ صوت الرصاص دوّى في المكان ليسرق الحياة من هذا الشاب. ولكن من هذا الشاب؟ إنه مجاهد بن صابر. لقد رأته النجوم وشهد موته القمر، ولقد كفّنه الليل بكفن اسود، وتألقت عيون النجوم فَرِحة لاستقبال روحه الطاهرة، التي فاضت لبارئها عند تكبيرة المؤذّن لصلاة الفجر.

خرج شهيدنا من منزله بعد ما قبّل يد أمه فلسطين، وطلب منها أن تدعو له بالتوفيق. خرج وعنده إصرار الأبطال وإقدام الشجعان. سار مع الشباب الآخرين بخطوات ثابتة، نحو هدفهم. خرج من بيته ليدافع عن كرامة أهله، وعن شجر الزيتون الذي لعب تحته في صباه في مواسم القطف والزرع والحصاد. ذهب ليرد عدوان الصهاينة بكل الإمكانات المتاحة له حتى يعيش إخوته الصغار حياة شريفة وكريمة، وحتى تقر عين أمه وتنام ليلا مطمئنة على صغارها، واثقة بأن زوجها سوف يعود للبيت بعد خروجه للأرض.

لقد تذكّر مجاهد كلَّ شيء في حياته خلال لحظات، وأمسك شهيدُتا البطل التراب والحصى بيده الملطّخة بالدم الذي ينزف من صدره وكتفه وقدمه، وقبّل ما حملته يداه، وسالت دمعة طاهرة من عين مجاهد لأنه لم يرَ الأقصى محرراً، فليس هناك هدف أسمى من هدف الشهيد، فقد قصد وجه ربه، وها هو يلقاه. وتكسر حلم الفتى الشاب في أن يصبح طبيباً يعالج الفقراء، ويعلّم إخوته الصغار، ويحقق حلم أبويه أحب الناس إليه. لقد امتزج دم مجاهد بالندى على قميصه الأبيض وفارق  الحياة ووافته المنية وطارت العصافير التي كانت تقف على غصن شجرة الزيتون، كأنها كانت تنتظر من مجاهد أن يقف على قدميه ليتحدى العدو من جديد، ولكن هيهات، فقد حان الأجل. وفي هذه الأثناء جزع قلب الأم على ولدها. فقد عاد أبوه وهو لم يعد حيث أحست بابنها رغم بعد المسافة بينهما.

وجده أحد أصدقائه الذين خرجوا معه، إلا انه لم يتمالك نفسه، فخر على الأرض جالسا بجوار جثة صديقه العزيز. أمسك يديه وقبلهما وذرف الدمع على جبين مجاهد، حتى أنه من هول الفاجعة لم يستطع الكلام، فوصل باقي زملائه وما أن رأوا جثة مجاهد حتى صعقوا كأنهم يفارقون أرواحهم، لا صديقهم فحسب.

احتار الأصدقاء كيف سيحملون الخبر لأمه، فكروا مليا إلى أن قرروا حمله على أكفّهم إلى مسقط رأسهُ البيت الذي ولد فيه وشهد لحظات عمره الفاني. لقد كانت أمه تنتظر على الباب كأنها على موعد مع جثمان ابنها، حيث استقبلته بالزغاريد التي يخالطها الدمع والبحه الممزوجة بالحزن العميق.

سمع أهل البلدة النبأ فجاءوا ليودّعوا ابنهم مجاهد. ودّعه إخوته الصغار بالدموع والدعاء والخوف أما والده الذي بقي صامتا ليخفي حزنه فقد سالت رغماً عنه دموعه لتعبر عن مخزون من الحزن الدفين في قلب الأب صابر الذي كانت ملامح وجهه توحي بالألم الشديد. فماذا نتوقع من أب رأى ابنه محمولا على الأكف؟!.

قال صابر أبو مجاهد والأسى والحزن يملآن قلبه. كنت أود أن أرى ابني على ظهر الحصان ليزف، لا على الأكف ليشيع جثمانه إلى القبر. وماذا كان رد أم مجاهد فلسطين؟ لقد ذهب ابني الأكبر وبقي عندي أربعة غيره، واحمد الله الذي شرفني باستشهاده. نعم لقد استشهد ليضمن لاخوته أمنهم ومستقبلهم يا بنيّ يا فلذة كبدي. أنت لم تمت إنما أنت حي في قلبي وعقلي.. لقد تحطّم حلمك الجميل، لكن لا بأس، ففي سبيل حبنا لأرضنا وديننا يهون كل شيء.

حمله أهل بلده وأصدقاؤه إلى المقبرة كان وجهه باسما كالبدر عليه مسحة من البراءة، وكانت عيون أمه تذرف الدمع بغزارة كأنها ينبوع ماء، لكنه مالح مر لا يتجرعه إلا المفجوع بابنه. كان موكبا جنائزيا لا يُنسى. شارك فيه كلُّ أهل القرية الذين طالما أحبوا مجاهدا واحترموه.

بعد تشييع الجثمان، وقف الأصدقاء يودعون صديقهم مجاهداً قال مؤمن: سأسير على دربك حتى أدفن إلى جوارك يا صديقي العزيز. وقال عبد الله : سوف آخذ حقوقنا من عيونهم حتى لو كلفني هذا حياتي، سوف نعيد لديننا مكانته ولقدسنا حريتها التي سلبت منها. أما مجد فقال: بما أن الموت حق على كل إنسان، فلنمت بكرامتنا خير من أن نعيش أذلاء.

 


 


 


 


 


 

شمس الحرية

 

رنا بسام ماضي                 

الصف العاشر ( مدرسة بنات سلفيت الثانوية )

 

 

كانت ليلة باردة من ليالي شهر تشرين الثاني، حيث ينام الجميع باكراً..

كنت جالسة في سريري أطالع الكتاب الذي كنت قد بدأت بقراءته، كانت الساعة تقارب الثانية عشرة ليلا، كانت أمي واخوتي جميعا يغطّون في سبات عميق، بينما أبي كان لا يزال مستيقظاً. فهو بحكم عمله كطبيب، لم يكن ينام إلا قليلا، ليكون على أُهْبة الاستعداد طوال الوقت تحسبّاً لأي طارئ- وبينما أنا مستغرقة في قراءة الكتاب، إذا بي أسمع صوت طائرة صغيرة من نوع " هيلوكبتر". لم تكن المرة الأولى التي أسمع فيها صوت ذلك النوع من الطائرات، لكن وكما يقولون ( قلب المؤمن دليله) شعرت أن هذه المرة ستكون مختلفة.

قفزتُ من السرير. ونظرت عَبْر النافذة إلى السماء الحالكة الظلام والتي غاب عنها القمر، فلم أر أثرا لتلك الطائرة، انقبض قلبي، فعندما تكون الطائرة غير مضاءة فإن ذلك يعني بأنها ستقوم بقصف المدينة. لكن لماذا؟ و سلفيت  خصوصاً، لم تشهد الكثير من المواجهات؟ فما الداعي لقصفها؟ ولكن هيهات شاهدتُ شيئا مضيئا ينزل من الطائرة، واتجه نحو المدينة. ..

يا إلهي .. ماما أوه . يا إلهي .. ماما سعيد . أحمد . سعيد . رائد انهضوا انهضوا " بدأت بالصراخ كالمجنونة " انهضوا لقد بدءوا بقصفنا.. انهضوا" هكذا صرخت وأنا أوقظ أمي واخوتي، لن أنسى تلك اللحظات ما حييت، تلك اللحظات التي شعرت فيها بالخوف الخوف الحقيقي .. نعم الخوف .. و دوى صوت الانفجار الأول نزلنا بسرعة من غرفة النوم واتجهنا إلى الطابق السفلي من المنزل، فيما انطلق أبي إلى مركز الطوارئ في المدينة تحسبا لأي إصابات قد تحدث

ودوّى صوت الانفجار الثاني .. والثالث.. ثم ثم ساد الصمت والسكون والهدوء ولكن ليس كل هدوء يحمل معاني السلامة وهذه المرة لم يعن ذلك أبدا .. أبدا ..

انتهى القصف واختفت الطائرات، لم نعد نسمع لها صوتا، اتصلت بوالدي لأطمئنَّ عليه، فقال لي:

" رنا اتصلي فيما بعد .. هناك حالة طارئة " واقفل السماعة كان هذا كل ما قاله ، ثم..انتشر الخبر وشاع في المدينة كما تنتشر النيران في الهشيم. هناك شخص قد أصيب وهو في حالة خطرة. وأن الصاروخ الثاني قد أصاب منزل أحد المدنيين وهو " رزق أحمد حسن" .. أحد أصدقاء خالي الذي كان عندنا في المنزل، و الذي أصيب بصدمة كبيرة لدى سماعه الخبر. فالرجل قد فقد رجله بالكامل، أصبنا في البداية بالصدمة.. ثم خيم الصمت والسكون والحزن على المنزل السكون التام.. أتدرون وقعت المصيبة على قوم لم يكونوا يتوقعون حدوثها؟ و يالها من مصيبة !!!

قد يتساءل بعضهم ويقول " ولم الحزن يا رنا ؟ فهو ليس من أهلك " ولكنني أرد وأقول " إننا نسكن مدينة صغيرة كالأسرة الواحدة المتماسكة، فالكل يعرفون بعضهم بعضاً، وإذا ما كانت هناك بعض الخلافات البسيطة بين جماعة وجماعة ، إلا أنها سرعان ما تزول عند حدوث الشدة فنصبح كالأسرة الواحدة أفلا تتألمون لجرح أحد أفراد أسرتكم، فكيف به إذ يفقد رجلا كاملة ؟؟!"

 عاد أبي إلى المنزل في تمام الساعة الثانية والنصف صباحاً، سألناه عن حال الرجل، فقال:"إن حالته خطيرة جداً، كانت حالته من أبشع المناظر التي شاهدتُها في حياتي " هكذا أنهى كلامه.

وعندما اقتربت الساعة من الرابعة أو الرابعة والنصف توجه الجميع إلى غرفهم أما أنا فبقيت مستيقظة، لم استطع النوم نهائيا، ووقفت على النافذة الموجودة في غرفتي والتي تطل على الجهة الشرقية لمدة طويلة، إلى أن بدأت الشمس بالشروق وياله من منظر !! الشمس وهي تشرق.

عادة ما تعطي الشمس أثناء شروقها انطباعا بالتفاؤل، وبداية يوم جديد قد تسير فيه الأمور نحو الأفضل.  هكذا قرأت في القصص والكتب والروايات، ولكنّ شروقها في ذلك الوقت لم يعن لي شيئا سوى بَدء نهار جديد من الألم والعذاب و القتل والتدمير والتخريب، يوم أعود فيه للخوف من جديد. يوم أخشى وأخاف فيه من خروج والدي وأشقائي من المنزل. فمن يدري فقد لا يعودون إليه إذا ما سقط أحد الصواريخ واخترق منزلنا.

في الصباح لبست ثيابي المدرسية، وتوجّهت للمدرسة، وفي طريقي شاهدت المنزل المقصوف، ويا إلهي !! ياله من منظر !! نوافذ مكسرة .. جدران محترقة أبواب محطمة وما إلى ذلك من المناظر..

تابعت طريقي إلى المدرسة وكان كل ما سمعتُه من حديث يدور عن ليلة البارحة والمنزل المتهدّم والرجل المصاب. جاءت الحصّة الثالثة وحصة اللغة العربية، إلا أن معلمة اللغة العربية لم تأتِ إلى المدرسة، وعندما استفسرنا، قالوا بأن الرجل المصاب هو شقيق زوجها .. فأصبنا بالصدمة

بعد يومين عادت معلمتي السيدة " ماهية ناصف " إلى المدرسة، كانت شاحبة اللون، فاقدة التركيز على كل ما يدور حولها من أمور وعندما سألناها عما حدث، قالت:

 كنا نهيئ أنفسنا للنوم عندما سمعنا صوت الطائرة، لم نبال بها كثيراً، إذ أنها ليست المرة الأولى التي نسمع فيها صوت طائرة في سلفيت ولكن بدا القصف وكان الصاروخ الأول قد أصاب مكتب " حركة التحرير الوطني " الموجود في سلفيت. أما الثاني فأصاب منزل شقيق زوجي. سمعنا زوجته تصرخ وتصرخ. فهرعنا إلى منزله الذي لا يبعد عن منزلنا سوى مسافة ممر يفصل بين الشقتين. دخلنا المنزل بصعوبة كبيرة، إذ أن الباب قد أصيب بكثير من الالتواءات صعب معها فتحه. ولكن في النهاية دخلنا. وقفت مع زوجة رزق، واحتضنت أولاده الذين أصابهم الفزع، وهرع زوجي إلى داخل غرفة شقيقه ليتفحصه ولحقت أنا به بعد وهلة . بدأ زوجي يتحسس السرير الذي من المفترض أن يكون رزق ممددا عليه، لكننا لم نعثر على رزق، بل عثرنا على بقايا رجله عالقة بالسرير، أما رزق فكان ملقى على الأرض "

وتقول معلمتي:" أصبنا جميعا بالصدمة .. لم نستطع البكاء، أو الكلام أو حتى الصراخ فقط صمتنا" ، وسألنا معلمتي عن حال زوجة الرجل وأمه، فقالت :" زوجته لا تقدر على شئ سوى البكاء، ولقد تعرضت للإجهاض نتيجة لذلك، أما أمه فصابرة"

نعم .. إنها أم صابرة وقوية، جبارة .. لقد فقدت أحد أولادها، كان يدرس في الهند عندما قتل، وهاهي تشهد ما قد حل بابنها الثاني وهي صابرة، ولا تقول سوى " المؤمنون أشد بلاء" إنها تستحق لقب " خنساء سلفيت" بكل ما للكلمه من معنى !!

هكذا بدأت مأساة أسرة فلسطينية.

بعد أشهر قليلة شاهدت رزق بأم عيني، بعد عودته من المشفى. لقد كان يمشي مستعيناً بعكازين، كان مع شقيقه و بعض أصدقائه، شاهدته يتكلم و يبتسم بشكل طبيعي لم أكن أتوقع ذلك!! فرغم أنه كان يمشي على عكازين إلا أنه كان يبتسم .. فيا له من رجل صابر ، و ياله من شجاع فالشجاعة في نظري هي التبسم وقت الشدائد، والتفاؤل رغم المحن، والأمل رغم الضياع


 


 


 


 


 

أحلام و أسرتها

 

محمد تحسين عمر                       

الصف العاشر( مدرسة عمر بن الخطاب الثانوية للبنين )

 

أحلام طالبة نجيبة ومهذّبة، تدرس في الصف السابع. تلقى التكريم من معلماتها وزميلاتها.  تحمل في قلبها أحلاماً ورديّة للمستقبل، وصوراً تفوح بعبقها لهذا المستقبل الكبير الذي ينتظرها.

استيقظت أحلام ذات يوم لتذهب إلى مدرستها ، فلما استعدّت للذهاب، طلبت من والدها المصروف. يا له من موقف محرج آنذاك! البنت تطلب المصروف والوالد لا يملكه، ولا يملك كلمات للإجابة على ابنته، وكأن لسانه قد تجمد في فمه. فهِمت أحلام الأمر وتقبّلته ببشاشة، وقالت لوالدها: يا أبت أظن أني كنت قد وفّرت مصروف البارحة، فلا حاجة لمصروف اليوم. وخرجت أحلام وليس معها مصروفها المعتاد ووالدها جالس في البيت محتار، لأن ابنته لم تأخذ مصروفا منذ أسبوعين، فكيف أخبرته بأنها حصلت عليه البارحة؟ دخل صوت خافت إلى صدر الوالد يقول: إن ابنتك تحاول التخفيف عنك.

وصلت أحلام إلى المدرسة. التقت زميلاتها اللواتي كن خائفات من عقاب المعلمة إنصاف التي طلبت علبة هندسة من أجل مادة الرياضيات. لكن أحلام التي رأت ذلك من زميلاتها، راود نفسها ارتياح عميق، فهي ليست وحدها من سينال العقاب، وربما ستسامحهن المعلمة لكثرة عددهن.

دخلت أحلام وزميلاتها الصف بعد الاصطفاف في الطابور الصباحي، وجلسن على مقاعدهن يترقّبن حضور المعلمة التي ما لبثت أن دخلت الصف، لكنها لم تسأل عن علبة الهندسة. ربما كانت تعرف الأوضاع.

عادت أحلام إلى منزلها بعد انتهاء يوم دراسي جائعة، فهي لم تأكل شيئا منذ الصباح. سألت أمها ماذا أعددت لنا من الطعام يا أمي؟ أجابت الأم هنالك صحن باق من طعام البارحة، ستقتسمينه مع اخوتك ووالدك.. وأنت يا أمي ماذا ستأكلين؟ سألت أحلام. فأجابتها الأم: سأتدبر نفسي بكسرة خبز لا تهتموا يا ابنتي  كلوا انتم فقط.

هذا هو حال أسرة أحلام منذ أن قعد والدها عن العمل. ليس في بيتهم كسرة خبز ولا كيس طحين، وحتى إن كان هناك كيس طحين فإن فرن الغاز لن يعمل بسبب انتهاء اسطوانته منذ ثلاثة أسابيع، وليس أمامهم إلا الحطب والنار لتسخين صحن طعام أعد قبل يومين أو حتى ثلاثة.

تضرعت أحلام إلى ربها داعية: يا ربي يا من ترى ماذا ترى فيما ترى؟.

بعد يومين عادت أحلام إلى منزلها وجدت بجانب الباب كيس طحين، فتهللّ وجهُها فرحا وسألت أمها عن مصدره فقالت: أحضره لنا شخص كريم معطاء. فقالت أحلام يا الهي! عندما كان أبي يعمل لم نكن بحاجة إلى أحد. كنا نحن نتصدق على الآخرين. أما الآن فلا نجد لا نحن ولا هم طعاماً ينقذنا من الجوع والموت. ولكن إن كان هذا الكيس سيكفيهم أسبوعا أو أسبوعين فماذا يفعلون بعد ذلك؟ هل ينتظرون كيسا آخر من رجال الخير، أم ينتظرون ألما يعتصر أمعاءهم، ليس لانتفاخها ولكن لتقلصها!!؟


 


 


 


 


 

قصة طفل فلسطيني

 

محمود فارس خندقجي                  

الصف الأول الثانوي( مدرسة عمر بن الخطاب الثانوية للبنين )

 

 

هاهو رامي الطفل الفلسطيني ابن العشرة أعوام، يخرج من منزله صباحاً ذاهباً إلى مدرسته، التي طالما أحبها اكثر من نفسه. ودّعته أمه التي أحسّت وكأنه اليوم الأخير لابنها بكل صبر وقناعة.

ذهب إلى المدرسة كعادته وقضى يومه الدراسي في المدرسة، ومن ثم غادر المدرسة إلى ساحة المواجهات على طرف البلدة التي طالما تخّيلها وكأنها ساحة جهاد كبيرة جداً.

كان ذلك اليوم من أيام رمضان المبارك، الطفل صائم والمعدة خاوية ورائحة الشواء تنبعث من كل أرجاء البلدة عند المغرب، إلا أن إيمانه وحبّه للوطن اكبر من أن ينظر أو يهتم بالدنيا وطعام الدنيا، ويترك وطنه أسيراً.

وظل الطفل رامي يقاوم إلى أن أصابته رصاصة غادرة، سقط من جرّائها على الأرض وخرج شلاّل الدم الدافق باتجاه الأرض العطشى، مثل عطش رامي يوم صيامه، ملوناً بلون الأفق العربي، وانتقلت الروح إلى بارئها مع تكبيرات أذان المغرب. وعندما نقل إلى المستشفى كان في يده حجر لا يزال يمسك به حتى بعد موته.


 


 


 


 


 

أثناء عودتي من المدرسة

 

محمد تحسين فضل عمر                         

الصف الثاني عشر  ( مدرسة عمر بن الخطاب الثانوية للبنين )

 

فيما كنت في طريق العودة إلى المنزل يعد يوم دراسي مليء بالمخاوف والقلق، كما هو الحال في منطقتنا التي يتمركزُ فيها الجيش وتشكّل معبراً للمستوطنين حيث يكون مشوار الذهاب والإياب إلى المدرسة يعمل له ألف حساب. فلا يمكن الذهاب إلى المدرسة إلا بالسيارات والحافلات، هذا إذا توافرت، وإذا سمح لها بالمرور خوفاً مما يمكن أن تتعرض له أثناء سيرها.

أثناء عودتي في ذلك اليوم، كنت أنا ومجموعة من زملائي لا نتجاوز الاثنى عشر طالبا، وكلنا في الصف الثاني عشر " التوجيهي"، حيث اضطررنا للعودة إلى المنازل سيراً على الأقدام من باقة الشرقية مقر مدرستنا وحتى نزلة عيسى، مسقط رأسنا، نظراً لعدم مقدرة السيارة على المجيء لأخذنا لاعتبارات أمنية إسرائيلية مشددة.

وعندما قطعنا نصف المسافة تقريبا، فوجئنا بقوات إسرائيلية خاصة، ومعها مجموعة من المستوطنين يحيطون بنا من كل ناحية. وتنادينا بألفاظ بذيئة ساقطة. وقام بعض المستوطنين بالتعرض لنا بالضرب المبرح بالعصي ومواسير المياه على كلّ جزء من أجسامنا. ثم قامت القوات الخاصة بإبعادهم عنا وضربنا بدلا منهم، حتى جرح بعضنا وكسرت أطراف بعضنا الآخر. وحين كنا نسألهم ونحن نصرخ من الألم عن سبب ضربنا، قال أحدُهم إننا قمنا في صباح هذا اليوم بالتعرض للمستوطنين والقاء الحجارة عليهم. فقلنا لهم إن مجيئنا في هذا الصباح إلى المدرسة كان بالحافلة وأننا لم نأت مشياً على الأقدام  إلا أنه قام بتكذيبنا، ثم اكمل المستوطنون ضربنا دون أي رحمة حتى أن أهل القرية لم يستطيعوا مساعدتنا، نظراً لكثرة عدد الجنود والمستوطنين المدججين بالسلاح.

وبعدها قاموا بأخذ ستة أفراد منا، وكنت أنا أحدهم، إلى الحاجز الإسرائيلي الواقع في نزلة عيسى. واستمرت بنا الحال إلى ما بعد صلاة العشاء، تارة يتركوننا وتارة يكملون ضربنا. وأخيراً  تركونا وشأننا وكل ذلك والله بلا سبب.

عدنا إلى منازلنا يسند بعضنا بعضاً ، لعدم مقدرتنا على الوقوف على أقدامنا. ولم نستطع الدراسة ثلاثة أيام متتالية بعد تلك الحادثة، لشدة الألم والتعب.

وللأسف أُدخل أحد زملائنا إلى المستشفى في طولكرم نظراً لكسور بالغة في ساقه.


 


 


 


 


 

أحمد والخطر

 

محمد تحسين عمر                   

الصف الثاني عشر( مدرسة عمر بن الخطاب الثانوية للبنين )

 

أحمد طالب في الخامسة عشرة من عمره يدرس في مدرسته الواقعة على مرتفع شرقي القرية، يحدوه الأمل نحو مستقبل أفضل يحمل بين جنباته الخير والسعادة من أجل تحقيق أحلامه وطموحاته التي ترافقه، وما يفتأ يذكرها ويأمل بتحقيقها. وأحمد طالب متقدم بدراسته، متفوق في تحصيله العلمي. يلقى الاحترام والتقدير من أساتذته وزملائه في المدرسة. يخرج كل يوم كبقية طلاب مدرسته راجلا، يستعين بالحديث مع زملائه على قطع المسافة بين مدرسته ومركز القرية.

في شهر ديسمبر عام ألفين بدأ الشعب الفلسطيني انتفاضة مباركة ضد عدوّه وسجّانه وقاتله. وكان من الطبيعي أن تصل نسائم الانتفاضة إلى هذه القرية بوصفها قرية فلسطينية ترى وتسمع كل ما يحدث لأبناء شعبها وإخوانها. وما أن وصلت هذه النسائم حتى تصدت قوات الاحتلال لها فارضة حظر التجوال على القرية. لمدة فاقت الأسبوع. فتعطلت الدراسة في المدارس كما تعطلت بقية الأعمال اليومية التي يقوم بها أبناء القرية، وهاهو أحمد يجلس في منزله لا يستطيع الخروج منه يخترق روحَه خوف رهيب، ويتخاطر إلى سمعه صوت صافرات جيش الاحتلال وهو يجوب بمركباته شوارع القرية مراقبا تطبيق حظر التجوال وعاملا على إحكامه.

 مضت الأيام الثلاثة الأولى وجاء يوم الجمعة، انه يوم الصلاة، يوم الذهاب إلى المساجد، وكما هو معلوم لا يستطيع أي مسلم التغيب عن صلاة الجمعة في أي يوم من الأيام، فيذهب أحمد متسللا بين أزقة القرية يملأه الخوف الشديد من مصادفة الجنود في طريقه. وفجأة وفي منتصف الطريق يفاجأ بسماع صوت مركبة للجنود الإسرائيليين، ماذا يفعل؟ لجأ إلى بيت من بيوت القرية محتميا به، حتى ذهبت هذه المركبة وابتعدت، فخرج مسرعا نحو المسجد، فوجئ عندما رأى الشارع الموصل إلى المسجد ممتلئا بالملبين لنداء مؤذن الصلاة الذين انتظروا بفارغ الصبر ابتعاد المركبة من أجل الذهاب إلى المسجد، وبعد أن دخلوا المسجد، وصلت دورية من الجنود وراقبت أداءهم للصلاة متمركزة على أبواب المسجد. أدوا الصلاة تحت أنظار الجنود ومراقبتهم وبعد الانتهاء من الصلاة بدأ المصلون بالخروج من المسجد من أجل رحلة العودة إلى المنزل، لكنها هذه المرة أمام أعين الجنود وليست خلسة من ورائهم. لكن الجنود لم يفوتوا هذه الفرصة فدخلت الرهبة والخوف في نفوس أبناء القرية، فبدأوا يأخذون أبناء القرية الذين كانت أعمارهم تقل عن الثامنة عشرة ويضعونهم في صف أمام المسجد ليدبوا الرعب والخوف في نفوسهم وليعملوا على إطلاقهم بعد فترة قصيرة، يا لها من فترة رهيبة تلك التي مرّت على أحمد حيث كان الخوف يملأ قلبه.

 عاد أحمد إلى منزله وجلس مرة أخرى منتظرا موعد فك هذا الحصار وهذا الخطر ليعود إلى مدرسته مستأنفا الدراسة، ولكن هذه المرة تختلف عن السابق إذ سار من بيته إلى مدرسته كالعادة لكن الجديد كان اصطفاف الجنود على طول الطريق المؤديّة إلى المدرسة يراقبون حركة الطلاب ويحاصرونهم وكأنهم الأعداء الألدّاء لهم. وما زال أحمد يسير إلى مدرسته مع زملائه وجنود الاحتلال يراقبون خطّ سيرهم مصطفين على جانبي الطريق يحدّقون بالطلاب الذين يسيرون والخوف يملأ قلوبهم البريئة، يحاولون النظر إلى الجنود لكن الخوف كان يمنعهم من النظر فينظرون خلسة من شدة الخوف حتى يصلوا إلى بوابة مدرستهم ويحتموا بأسوارها المنيعة رغم محاصرة جنود الاحتلال لها.

أنها حاله عاشها وما زال أحمد يعيشها. حاله من الخوف والرهبة وعدم الاطمئنان على المستقبل الذي ينتظره وعلى الأحلام والطموحات التي  يحلم بها.


 


 


 


 


 

طالب في مأزق

 

عاصم عبد الرحيم خروف                      

الصف الثاني عشر   ( مدرسة عمر بن الخطاب الثانوية- طولكرم )

 

 

ليته كان لي أن أدرج في ذلك الطريق المؤدي إلى مدرستي بشيء من الاطمئنان!.

ليتني أستطيع أن أتذكر جميع الانفعالات والأحاسيس و الهواجس والأفكار التي كانت ترتسم في مخيلتي، ولربما تظهر آثارُها على رقعة وجهي وفي عينيّ الحالكتين!.

لقد كنت أمشي بخطواتٍ ثابتة محاولاً أن أُخفي ما بي من وحشة ودهشة وخوف من أولئك الصهاينة الذين كانت فوّهات بنادقهم مصوبةً على ذلك الطريق المؤدي إلى مدرستي.

ذلك الضباب الذي اكتنفني عندما رأيت الجنود داخل سيارتهم العسكرية مستترين بها من ذلك المطر الكثيف الذي أخذ يتزايد كلما اقتربتُ منهم. وقبل أن أصل إلى مكان تواجدهم على الرصيف الأيمن من الشارع، هممتُ بالانتقال إلى الرصيف الآخر لكي أتحاشاهم قدر الإمكان، حتى آخذ نصيبي من العلم في ذلك اليوم. ولكن قبل أن أقطع الشارع صرخ علي أحد الصهيانة من داخل سيارتهم العسكرية. لقد كان أشبه بصاعقة هزت كياني . قال "بو" فكرتُ للحظة في الفرار ، ولكنني سرعان ما تذكرت أنهم أناس بلا ضمير، فربما يُطلقون النار في أيّ لحظة ويقتلونني بدم بارد، فتوجهتُ نحوه . طلب مني أن أُغلق المظلةَ التي تحميني من ذلك المطر الكثيف، ترددتُ قليلاً ولم ألبث أن أغلقتها كي لا أُعرّض نفسي لأي اعتداء، ووقفت تحت المطر. نظر إليّ بعينين ملؤهما الحقد والكراهية و البغضاء ، وتتأصل فيهما كل ما تحمله كلمة الحقد من معان، وأخذ يرشف من فنجان الشاي الذي كان يضعه بين يديه، ثم توجه إلىّ بالحديث . لربما كان ما قاله " إن كنت أجيد التكلم بالعبرية " فقلت له لا ". ارتسمت على شفتيه ضحكة صفراوية وقال " ألا تتعلمونها في مدارسكم؟ " لم أجب عن سؤاله، وهممت بفتح مظلتي لأنني قد بُللت بالكامل و شعرت بالقشعريرة ، فقال لي " لا تستعملها " وتابع حديثه بأسئلة ليس الهدف من ورائها سوى أن يُبقيني تحت المطر والاستهزاء.

ومن ثم أطلق ضحكة عالية، وطلب مني الانصراف بعد أن ذهب بكامل حيويتي ونشاطي واستعدادي لذلك اليوم الدراسي، ولربما الذي يليه.


 


 


 


 


 

 ضجة في ليلة هادئة

 

رائد نبيل جرار                

الصف العاشر( مدرسة احسان سماره الثانوية )

 

 

في ليلة هادئة وصافية، وأنا جالس أعدُ دروسي نظرت  فجأة إلى السماء، فإذا هي مضيئة، ونظرت إلى الأرض فإذا هي تهتز، ولكن هذه الهزات والإضاءات ليست ظواهر طبيعية، ولكنها أعمال صهيونية. هذا الحقد الصهيوني الذي أفزع الناس والأهالي والأطفال والشيوخ والنساء الحوامل. سرعان ما التفت إلىّ أخي الصغير من خلف الكنبة وهو يصرخ وينادي: (ماما..ماما..ماما) ويبكي من الخوف، فهجمتُ على أخي بسرعة، وذهبتُ به إلى مكان بعيد عن مكان الضجة والفزع والانفعالات النفسية، وعملتُ على تهدئته وطمأنته، وأفهمته أن ما رآه ليس شيئاً مرعباً، وعلينا أن نعتاد على مثل هذه الأشياء.

بعد فترة طويلة استمرّ فيها القصف الوحشي العدواني الفاشي، رجعت إلى البيت ومعي أخي الصغير، وأنمته . بعد أن نام ساعةً فزعَ من نومه خائفاً وهو يصرخ وينادي.

إن هذا القصف العدواني قد أثرّ على نفوس الأطفال، وسبّب لهم أزماتٍ نفسية. لقد أُدخل أخي إلى المستشفى، ومكث عدة أيامٍ حتى شُفي من المرض وهدأت نفسُه.


 


 


 


 


 


 

 الأيدي الملطخة بدماء الأبرياء

 

رامي نعيم عيسى حماد                

الصف الخامس الأساسي  ( مدرسة ذكور المهد الأساسية)

 

 

إن كلمة الدمار في بلادنا قليلة في حروفها كبيرة في معناها. فالدمار يعني أن يُحرم الإنسان من أبسط حقوقه في العيش إلى جانب أهله وأحبائه وأطفاله تحت سقف واحد.

 

كم من العائلات شُرّدت، وأصبحت بلا مأوى بعد أن هُدمت بيوتُها بالجرافات الإسرائيلية، وحَطمتْ جدرانَها قذائفُ المدفعية وصواريخُ الطائرات. فحُرمت من الأمان وأصبح الأطفال يفترشون العراء ليلاً وغطاؤهم السماء . إن نفسي تمتلئُ بالأسى والحزن على أهلي وأخوتي من أبناء شعبي وهم يُقتلون بأيدٍ ملطخة بدماء الأبرياء. غير أننا لا نعرف اليأس، فنحن رغم الخوف، رغم القصف، رغم القتل، رغم الجرح، لم نركع ولن نركع.

 

 


 


 


 


 


 

محمد جمال الدرة

 

خالد فهد المحاربة                     

الصف الثامن الأساسي ( مدرسة بنات التعامرة الأساسية)

 

 

يا محمد:-

أكمل هذه الجملة:- ( ما أُخذَ بالـ . ) الجملة على جدار الطوب، والوالد جمال يلوذ بالساتر الإسمنتي القصير، وولده محمد يلوذ به. على الجدار أمام الساتر ثلاثةُ ثقوب، وعلى الجدار وراء الساتر أربعةُ ثقوب.

يا محمد:-

لن تذهب إلى مدرستك . لن تترفعَ إلى الصف السابع . لن تُكمل قراءة كتابَيّ ( التربية المدنية) و ( التكنولوجيا).

لن ترفع إصبعك في الصف لتجيب عن سؤال المعلم:- من أين أنت في فلسطين؟ أنا من (عسقلان، أو من المجدل أو من المسمية، أو من يافا).

يا محمد:-

صوّروا موتك بالعدسات المقربة، ولم يسمعوا نحيبك، وماذا قال لك والدك جمال وماذا قلت لوالدك جمال؟

صوّروا ذراع والدك تحنو عليك، صوروا يد والدك الثانية تطلب الهدنة، ووقف تنفيذ الإعدام.

وصوّروك ( تنام ) في حضن والدك وفوقكما سبعة ثقوب في الجدار، وعلى الجدار ( ما أخذ بالـ) وكل رجل وشاب وولد يستطيع أن يُكمل العبارة.

يا محمد:-

أولادٌ من جيلك بدءوا الانتفاضة في العام الذي وُلدتَ فيه، أولاد من جيلك يُتابعون الانتفاضة في العام الذي قتلوك فيه. وفي العواصم يقولون لك: الانتفاضة حلال والمفاوضات حرام فلا تُصدق سوى أبيك، الذي لا يُصدق سوى شعبه وأرضه وما جاء في كتاب التربية المدنية للصف السادس: أرض فلسطين أرض الشعب الفلسطيني.

يا محمد :-

لك أخوةٌ من صُلب أبيك ومن رحم أمك. لك عمٌ وخال. لك أرضٌ وشعبٌ ووطن. لك اسم لن يُمحى وللقتلة عارٌ لا يمحوه الزمان.


 


 


 


 


 

فرحتي خوفي دعائي

 

عبير عفيف السايح                    

الصف العاشر ( مدرسة راهبات مار يوسف - بيت لحم)

 

علا صوت أمي قائلة: هيا بنا يا بنات لنذهب لزيارة ابنة عمكم سلوى، فما أن سمعت ذلك حتى قفزتُ فرحة، وخلال خمس دقائق كنت جاهزة، وانطلقت مع أمي وأختيّ إلى بيت أبنة عمي في بيت جالا.

وعندما اقتربنا من المنزل سبقتهن وقرعتُ الباب، ففتحت لنا "جينا" التي فرحت جداً ما أن رأتني، استقبلونا فرحين. جلسنا على الشرفة نتبادل الضحك والأحاديث السارة: " لقد أنجبت ابنة خالتي طفلة جميلة.. لقد تزوج ابن عمي.. كان معدلي 95 مبروك، تهانينا "

وفجأة سمعنا صوت إطلاق نار، فانقلب المجلس رأساً على عقب وعلا الصراخ " ادخلوا تعالوا . ابتعدوا اختبؤا. "فهرولنا مسرعين إلى الداخل. ولكن الثريا سقطت على الأرض في وسط غرفة الجلوس. " يا إلهي لقد أسقطتها رصاصةٌ مرت من الشباك. صرختْ ابنة عمي وقالت:" لينزل الجميع إلى الطابق الأرضي بسرعة بسرعة " وخلال دقيقتين كنا جميعاً في غرفة صغيرة غير مبلطة وغير مفروشة . تجمعنا في زاوية مقرفصين خائفين مرتجفين..

شتان ما بين الحالتين : " يا إلهي! هل هذا ما تريد ؟

" وهل من المعقول أن الله يريد أن يؤذينا؟!. ارحمنا يا رب والطف بنا "  أخذتْ بناتُها الصغار يبكين ويتبولن تحتهن وأمهن تهدئ من روعهن،  وكنا نحن أيضاً نفعل ذلك. مكثنا على هذه الحال نصف ساعةٍ، مرت وكأنها نصف سنة " آه ! الحمد لله لقد هدأ إطلاق الرصاص. الآن سنخرج. عُدنا إلى الطابق العلوي وجلسنا في غرفة النوم، فهي الأكثر أمناً. واستطعنا أن نعيد جزءاً من هدوئنا وعادت الأحاديث . ولكن هذه المرة ليست الأحاديث السارة بل الأحاديث المؤلمة " استُشهد فلان. وجُرح علان وتعوّق فلان وهُدم منزل علان " كانت هذه الأحاديث تتردد على أذني وأنا أتألم " يا إلهي أصبحت أحاديثنا بائسة يائسة. ولكن آه لقد أتى أخي ليُعيدنا إلى البيت. الحمد لله.

عُدنا إلى المنزل وفي داخلنا ذكرى أليمة بدل الذكرى الجميلة، وعندما أويت إلى الفراش: رفعت صلاتي لسيدي ومخلصي يسوع المسيح كي يرحمنا ويريحنا من هذا الجحيم. فما الاحتلال إلا مارد عملاق بوجه بشع، مائدته من جماجم الفدائيين، وشرابه من دماء الشهداء، ولباسه من جلود المعذبين، ومتعته في سماع أنين الأرامل واليتامى، وتسليته إضافة أسماء جديدة من الشهداء إلى سجل الموتى لديه.


 


 


 


 


 

عصفورة أنا

 

هنادي محمد                         

الصف الخامس الأساسي ( مدرسة بنات العبيدية الثانوية)

 

حينما أعود من المدرسة، أفكر أن أكون عصفورةً مثل العصافير، لأعيش حرةً في الفضاء.

في المساء أشاهد التلفاز وأنا حزينة على الأطفال الأبرياء، الذين يموتون من الجوع وأشاهد مدرسة الخضر للبنات التي يقصفها الجيش الإسرائيلي. وبعدها أذهب إلى الفراش لأنام وأنا خائفة جداً. ثم أذهب إلى غرفة والديّ لأنام بجانب أمي وأبي. وفي اليوم التالي أذهب إلى مدرستي وأنا خائفة من قصف الجيش الإسرائيلي للمدرسة التي أدرس فيها. فالجيش الإسرائيلي يقصف المدارس ليصبح الشعب الفلسطيني جاهلاً لا يعرف الكتابة ولا القراءة وكثير من الأطفال الذين ذهبوا إلى المدرسة لم يعودوا إلى البيوت، لإصابتهم برصاص الغدر الإسرائيلي.


 


 


 

حب الوطن

 

لينا سالم                             

الصف الخامس الأساسي ( مدرسة بنات العبيدية الثانوية)

 

أجمل ما يمتلك الانسان في هذه الدنيا هو الوطن الذي يعيش فيه. فالإنسان بدون وطن كعصفور بلا عش وأولاد لديه. لهذا قدم الانسان روحه فداءً لهذا الوطن والأرض المقدسة التي يعيش عليها وكثيراً ما استشهد من أبناء هذا الوطن للحصول على الحرية والاستقلال والعيش الكريم فكل من استشهد على تراب هذا الوطن يُكرمه الله سبحانه وتعالى في جنات النعيم.

والوطن هي كلمة صغيرة ولكن معناها كبير جداً. كل من يدافع عن الوطن وترابه يعرف المعنى الذي يقصده هذا الوطن. وأخيراً أحبّ أن أقول، يجب على كل من يعيش في هذا الوطن وعلى ترابه أن يدافع عنه ويُبعد المغتصبين عن ترابه حتى يبقى تراب هذا الوطن طاهراً من أيدي الاحتلال.


 


 


 


 


 

أطفال فلسطين يبحثون عن السلام

 

نهاد محمود سعد العصا                  

الصف التاسع الأساسي ( مدرسة بنات العبيدية الثانوية)

 

أنا طفل من أطفال الأرض المباركة، أنا طفل يحمل غصن زيتونةٍ شامخة، أنا طفل من أرض الإسراء والمعراج، أنا طفل يحمل الحجر المبارك ليدافع عن ثرى الوطن الغالي.

أريد أن أعرفكم بهويتي:-

اسمي على أغصان الزيتون وصخر الأرض محفور.

مكان ولادتي في أرض أحرقتها وحوش الغابة والنمور.

تاريخ ميلادي يوم انطلقت انتفاضات هذه الأرض الطهور.

عمري بدأ منذ بدأت نكبة التشرد من الوطن المقهور.

هل عرفتم من أنا؟ هل تذكرتم ما عانيته أنا ومَن مثلي؟ هل عرفتم من أي بلاد أنا؟!

حسناً سأختصر عليكم الإجابة، أنا من أطفال فلسطين،  ومعاناتي أكثر من رمل البحر والطين، أنا طفل مشرد في خيمة لاجئين، أنا طفل بائس حزين. أتعرفون لماذا؟!

لأنني أعاني الكثير الكثير. فأبي في سجون الاحتلال يقبع، وبيتي تحت الأرض يدمع، وأخوتي على فراش المقاومة يتألمون، وأمي تبحث عن الأشجار التي سُلبت من الزيتون والتين. وجدي وجدتي على حافة الموت سائرين.

ولكن هذه ليست معاناتي، إن معاناتي أكبر من هذا بكثير، فالوحوش تحاصرنا من كل الاتجاهات ومن كل الخيمات. والقصف دائم ليل نهار. والقتل صار عادة عندهم يُجْرونها على الأطفال. والاعتقال صار حجة على أهل الحق والثوار. ولكنّ شعبي صامد رغم ما رأى وتألم . فلقد رأت عيوننا وعانت أجسامنا ما لم يره ولم يعانه أحدٌ من شعوب العالم من قبل، ولكننا نقدم التضحيات فداءً للوطن المبارك . وسنبقى نواجه الظلم والظلام والأسلحة المتطورة بالحجر الذي سنحرّرُ به بيت المقدس من دنس المستعمرين ، ومن أيادٍ قذرة تلطّخُ ترابه الطاهر.

نحن أطفال فلسطين الأبرياء نبحثُ عن السلام.


 


 


 


 


 

قصة معتقل

 

أميرة عبد الرحيم جانم                

الصف الثامن الأساسي ( مدرسة بنات باقة الشرقية الثانوية)

 

كان حريصاً على العودة إلى البيت مبكراً. كان دائماً يتذكر طيلة النهار كلام أمّه " عد مبكراً. إياك أن تذهب إلى مكانٍ آخر غير المزرعة"

اعتاد صابر على العمل في المزرعة والعودة إلى البيت ليُلقي التحية. ومن ثم يُلقي بجسمه المتعب على فراشه الخلق . يتناول الغداء مع أمه وأبيه الذي أقعدته رصاصات الأعداء اللئيمة التي كانت قد أصابته قبل سنتين، وأقعدته في البيت . فكان هذا الأب أسير القلق على مستقبل ولده، دائم الاستماع إلى نشرات الأخبار من المذياع الذي بجانب سريره .

لكن صابر الذي تقع على عاتقه رعايةُ والديه وتأمين لقمة العيش لهما كان يتحاشى الحديث عن الأحداث والأعمال البطولية لشباب الانتفاضة أمام والديه. ولأنه على علم بأن والديه لن يسمحا له بذلك. رغم ما في نفسه من تلهّفٍ و شوقٍ إلى المشاركة في هذه الأعمال البطولية.

إلا أنه قرر أن يلتحق بشباب الانتفاضة، ويشارك في الثورة ضد الأعداء، إحتجاجاً على كل أعمال التهويد الصهيونية التي لا تعرف سوى القتل والتجويع والدمار.

أخذ صابر يتأخر في العودة الى البيت، لتبدأ رحلةُ الخوف الحقيقية عند أم صابر على ولدها الوحيد. ، الحلم الذي كانت تنتظر أن يتحقق. بأن يكبر صابر ويتحمل مسؤولية أمهِ العجوز وأبيه المقعد.

لقد أصبح صابر كغيره من شباب الانتفاضة مطلوبا للأعداء وهدفا لرصاصاتهم التي لا ترحم. وفي أحد الأيام أصابت رصاصات الأعداء صابر، فسقط جريحا يُعاني من آلام إصابته، وما أن سمع أبوه هذا الخبر المفاجئ الذي كان كالصاعقة على رأسه، حتى أخذ يبكي بكاء يُدمي القلب. كذلك العجوز التي أصبحت كأنها تحتضر حزنا على ولدها الراقد في أحد المستشفيات.

بعد شفاء صابر وخروجه من المستشفى واسترداد عافيته وقوته، عاد مرة أخرى يشارك في الانتفاضة حتى ظفر العدو به ليلة من الليالي ، عندما تحوّلت هواجسُ أم صابر إلى حقيقة، عندما استيقظت هي وزوجها على جنود العدو يقتحمون منزلهما ليعتقلوا ابنها الوحيد.

وهكذا تبقى أم صابر وزوجها يعيشان قصة انتظار عودة ولدهما الذي حُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات.

هذه القصة كانت تبدأ أحداثُها مع بزوغ فجر كل يوم، وتنهي مع غياب شمسه.

 


 


 


 


 


 

الأمان المفقود

ياسمين مؤيد                       

الصف السادس الأساسي ( مدرسة باقة الشرقية الثانوية)

 

في يوم الجمعة ، حين كنا جالسين على التلفاز إذ بخبرٍ عاجلٍ يقول: اسُتشهد خمسة شبان في ساحة الأقصى . وفي اليوم التالي بدأ جيش الاحتلال بإطلاق النار على المواطنين العزّل ، فاسُتشهد عدد كبير من الشبان أيضاً. وفي أحد الأيام بينما كنا خارجين الى الساحة في حصة الرياضة ، إذ بجيش الاحتلال يقتحم المدرسة، فدخلنا إلى الصف ونحن نصرخ من شدّة الخوف.

قام الجنود بفتح باب المدرسة الحديدي ببنادقهم، وراحت سيارة العدو تُطلق زامورها المزعج لكي تُخيفنا. إلا أننا لم نخف، إذ كنا نقرأ آياتٍ من القرآن الكريم. وبعدما ذهبوا، عُدنا إلى البيت فرحين لأننا لم نخف منهم.

وبعد العصر، سمعتُ إطلاق النار وقنابل الغاز المسيّل للدموع والرصاص المطاطي والرصاص الحيّ. فأصابني الرعب الشديد ثم أحسست بالدوار بسبب استنشاق الغاز. فقد كان كلّ ذلك قريباً من بيتنا.

وفي يوم عصيب آخر، مرّت سيارة العدو بسرعة هائلة، فأرعبتني لأنني كنت وحدي في حديقة المنزل. فهربتُ بسرعة ودخلت إلى البيت.

وبعد لحظات ، سمعت صوت إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع ، فركضت نحو سطح المنزل لكي أرى ماذا يجري في هذا اليوم الهادئ ، واذا بقنبلة صوتية تسقط في وسط الشارع، فأسرعت أُغلق باب السطح. ولما انطلق صوتها المرعب كدت أن أتدحرج عن الدرج في الطريق.

 وفي   ليالي  رمضان المبارك ،عندما كنا نخرج إلى المسجد لأداء صلاة التراويح، كان الجنود يعترضوننا فجأة ، فنشعر بالرّعب ونحاول المرور من طريق آخر. وكثيراً ما كان يفاجئنا جنديّ إسرائيلي يصيح بنا بصوت غليظ ( ارجعوا ارجعوا).

وأثناء الصلاة، كنت أظلّ مرعوبةً من أن يأتي الجنود ويطلقوا علينا الرصاص كما فعلوا في الحرم الإبراهيمي في الخليل.


 


 


 


 


 

صرخة ألم وتوجع

 

  ناريمان داهش فريد علي    

الصف العاشر ( باقة الشرقية)

 

قريتي إحدى قرى فلسطين ، أهلها طيبون ، بيوتها متواضعة ، أشجارها يانعة.منذ نعومة أظافري وأنا أحبها حباً جماً ، وأرفض الابتعاد عنها ، تعوّدت دائماً أن أستيقظ في الصباح ، وأرى أرجاءها مليئة بخيوط الشمس الذهبية ، وأسمع صياح ديوكها، وأن أذهب إلى مدرستي  وأنا مطمئنة آمنة.

 وفجأة وبينما أنا عائدة من مدرستي إلى المنزل في أحد الأيام، إذا برائحة الغاز السام ، وبصوت الرصاص يُطلق من بنادق العدو الغاشم ، فمشيتُ مسرعة ، وحدّثت أهلي عن هول ما رأيت ، فإذا بشاشة التلفاز تُعلن عن زيارة شخص إرهابيّ لا يُشرفني ذكر اسمه ، ولكني سأرمز إليه بأنه السفاح الذي زار القدس الشريف . فما كان من شباب فلسطين إلا أن هبوا كهبوب الرياح ، حاملين معهم حجرهم. هذا الحجر الذي لا يَصدأ ولا يَفنى ، وقام الجنود بإلقاء قنابل الغاز والرصاص على أبناء شعبي. وبدأ منذ ذلك الوقت إغلاق الطرق ومنع التجول ، ومُنع الناس من الوصول إلى أماكن عملهم . وأصبح سكانُ قريتي يعانون من أزمة مالية متردّية ، فعدم وصولهم إلى أماكن العمل أدى الى عدم حصولنا على ما نحتاجه من متطلبات أساسية. نحن نعيش في حالة لا توصَف. حالة خوف ورعب في كل مكان. فكم مرةً تعرضت مدرستي للحصار ، وإلقاء قنابل الغاز! أهلنا يجلسون في البيوت ، متوقعين في أيّ لحظة أن يُدفع الباب على مصراعيه ، ويُؤخذ إخواننا إلى المعتقلات. بل إلى الأكفان .

بينما كنت جالسة اقوم بحل واجباتي ، إذ بصوت القنابل المزعج ، يهز أرجاء القرية. ظننت أن هذا الصوت من الألعاب النارية ، فأكملت حلّ الواجبات. ولكن بعد فترة وجيزة بدأ الصوت يتكرر مرة أخرى ، فأحسست أنه قريب من منزلي، فأسرعت إلى النافذة ونظرت إلى الخارج ، فرأيت الدخان يتصاعد من القنبلة، فقمت بإغلاق النوافذ والأبواب بإحكام ، وبعد فترة قصيرة بدأتْ سيارات العدوّ تزداد ، والحصار يشتدّ، وذلك لأن أحداً من أبناء حارتي قام برمي الحجارة على العدوّ. وبعد ساعة تقريبا بدأت السيارة تنسحب من القرية. فرح الناس قائلين: انسحَبوا وخرجوا.  نعم ، ولكنهم خلّفوا وراءهم توتراً نفسياً وقلقاً دائمين وخاصة للأطفال.

هكذا بقينا ، نحن شعب زيت الزيتون.  شعب الحمضيات.  نعاني من ذلك الاضطهاد حتى الآن. فقد أصبحت قصة شعبي حكاية تُروى في كل مكان ، أصبحت قصصاً مسليةً للأعداء يتناقشون بها وهم يتمنون المزيد لنا ، كالأفاعي تمد ألسنتها لتلسع المزيد منا أثناء نومنا ، من خلال القصف وغيره .

فهذه قصتي مليئة بالمآسي والأوجاع  التي يعانيها شعبي المناضل المجاهد .

فالكلمة تصبح كلمتين . والمولود يصبح مولودين . والشهيد يصبح شهيدين.

وهكذا الانتفاضة انتفاضتين ونحن على الدرب سائرون .


 


 


 


 


 

بطولة واستشهاد

هديل ياسر عمر                       

الصف الاول الثانوي العلمي ( مدرسة باقة الشرقية الثانوية)

 

وماذا بعد؟ أما آن لإسرائيل ومثيلاتها أن تكفّ عن القتل والتشريد؟! ، أما آن لها أن تكف عن جرائمها وتبتعد عنا؟! ، ففي كل يوم وفي كل ساعة يُسطّر لنا التاريخ اسمَ شهيد بطل يقدم روحه على كفّه من أجلك يا فلسطين. من أجلك يا وردة السماء ويا عروسة الدنيا. ما زال أسرى فلسطين في سجون الاحتلال، وما زال اللاجئون في مخيماتهم. وشعبُنا سيظلّ دائما يقدم التضحيات ليُفجّر قنابله الروحية من أجلك يا قدسنا.

من وراء الجدران الأبية ، استيقظت الأم التي فقدت زوجها وابنها احمد في الانتفاضة الأولى، على صراخ وضجيج ، وأصوات تلاطم البنادق على الباب. قامت لترى ما سبب هذه الفوضى. واذا بمجموعةٍ من جنود الاحتلال يقفون ويسألونها بلهجة حادة عن ابنها محمد حيث كان مطلوباً من جنود الاحتلال. ولكن بكل ما لديها من عطف الأمومة ، وبكل ما لديها من قوة وعزيمة ، وقفت تتصدى لجنود الاحتلال. إلا أن جسمها الضعيف انهار ولم يستطع أن يصمد . خذلها وجعلها تقع على الأرض. وعندئذ أُغمي عليها ولم تعد تدري ما يحدث حولها آنذاك .

ولكن شجاعة محمد وشهامته وحميته القوية جعلته يعود إلى البيت، بعد أن سمع من أحد الجيران ما حدث لأمه ، حاول أن يُسعف أمه ولكن ... ، سمع جنود الاحتلال صوت محمد فركضوا  نحو الباب متسللين يريدون أن يُمسكوا به، فقاموا بتكبيل يديه الطاهرتين بالحديد الدنس ، اليدين اللتين حملتا الحجارة التي تبكي لأنها لم تقتل حتى ولو واحداً منهم. ثم ذهبوا به الى سجن بعيد  ، وقاموا بتعذيبه أسوأ العذاب ، وأمضى محمد في سجون الاحتلال بضعة أشهر حيث ضُرب وهُدرت حقوقه. وأخيراً أُطلق سراحه هو ومجموعة من أصحابه. وكان أول مكان ذهب إليه هو بيته الذي طالما دافع عنه. فاندهش وصُعق عندما أخبره شخص أنّ أمه ماتت بعد أسره بساعات. وأنّ الأطباء لم يستطيعوا إنقاذها لما تلقته من ضربات عنيفة. نظر حوله فوجد المنطقة مليئة بالصهاينه الذين قاموا بتهجير الأسر الفلسطينية من بيوتها. عندها شرد قليلاً ونذر نفسه لفلسطين وللأسرى المعتقلين وكذلك لأجل البيوت المدمرة. فجاهدَ وناضل حتى استَشهد مع الأبطال أثناء مناوشات قام بها جنود الاحتلال.

وهكذا ظل هذا البطل وساماً يفتخر به التاريخ .


 


 


 


 


 

أمل بلا أمل

سلسبيل محمد نجيب أسعد                 

الصف الاول الثانوي العلمي ( مدرسة باقة الشرقية الثانوية)

 

 

في صباح يوم مُشرق جميل، وعلى زقزقة العصافير، فتحت الطفلة أمل عينيها لترى أجمل وجه في الوجود. أمها توقظها من نومها. تذكرت أمل بأن اليوم يجب عليها مراجعة الطبيب. تناولت إفطارها ولبست ملابسها وخرجت مع والدها إلى المدينة.

وبعد أن زارت الطبيب، وطمأن والدَها على صحتها، خرجا إلى السوق لشراء بعض الحاجيات.

 لمحت أمل منديلاً صغيراً طُرّز عليه علمُ فلسطين فقالت:

بابا، بابا، اشتري لي هذا المنديل. أريد أن أهديه لأمي .

حاضر يا كنزي الثمين.

وبعد أن اشتراه، وبينما كانا يتجولان، إذَا بجيش الاحتلال يبدأ بإطلاق النار.أصاب شابين فتمسكت أمل بوالدها . كانت ترتجف من شدة الخوف، فقالت: بابا أنا خائفة . أرجوك دعنا نعُد إلى ماما. أريد الذهاب إلى البيت.

حمل الأب طفلته وضمّها بذراعيه، وأسرع للركوب بسيارة لتقلهما إلى القرية. لكن الجيش كان قد سبقهما. ولسوء  الحظ داهم منزلهم الذي يقع في مقدمة القرية، وقتل زوجته عندما رفضت أن تُزيل علماً كان قد رُفع عليه.

وصلت أمل مع والدها إلى البيت الذي كان يعج بالناس. سألت أمل:

ماذا هناك؟  ما الذي حصل؟

لا أحدَ يُجيب. نظرت إلى والدها فإذا بالدموع تنهمر من عينيه. اندفعت إلى الداخل بعد أن حاول والدها منعها، ولكنه فشل. يا للمنظر! ترى أمل أمها مستلقية على الأرض وبحر من الدم يغمرها. تندفع إلى أمها وتحاول إيقاظها دون جدوى، فتضع رأسها على صدرها وتصرخ:

ماما ،ماما.  أرجوك استيقظي. أنا هنا. هيا انهضي من أجلي. أرجوك.

 يخيم السكون على الناس وصرخات الطفلة تعلو وتعلو ليرد عليها صدى الجبال. يغضب الأب، ولا يعي ما يشاهده. وبخطىً بطيئة يتقدم من ابنته ويُخرج المنديل من جيبها. يرفع ابنته ويغطي وجه زوجته بالمنديل، ثم يحضن ابنته وينفجران معاً بالبكاء ، وتظلّ صرخات أمل تعلو أكثر فأكثر من شدّة الحزن.


 


 


 


 


 

أين نحن من أطفال العالم   

 

سماح باسل الدجني                    

الصف الثامن الأساسي   ( مدرسة الراعي الصالح السويدي)

 

كان الفرح والسعادة يملآن حياتنا في السابق، وكنا نشعر ببعض الحزن لأن أرضنا ما زالت محتلة، ولأن أهلنا وأصدقاءنا ما زالوا بعيدين عنا .

أما الآن، فنحن نمرّ في الانتفاضة الثانية. الانتفاضة الأولى دمرتنا ودمرت حياتنا. وهانحن نعيش انتفاضةً أخرى ، قاسية جداً ، عانى الجميع من آثارها. فكم طفلاً وشاباً أصبحوا معاقين أو مشلولين من أجل الوطن الغالي. وكم شهيداً سقط على ثراها .

أما نحن ،  فكل ليلة نمرّ بقصة رعب حقيقية. ففي يوم من الأيام بينما كنا جالسين معاً سمعنا أصواتا بعيدة كأصوات الرصاص. وبعد برهة بدأ الصهاينة بالقصف مباشرة، فارتعبنا جميعاً، وحاولنا الخروج من المنزل الى غرفة آمنة في الأسفل. خرجنا ، ولكنّ صوت القصف ظلَّ يُرعبنا . كل ليلة كان يحدث ذلك، فأُصيب أخي الصغير بحالة أرق وبعدم القدرة على النوم من كثرة التفكير في ماذا سيحدث لنا بعد كل هذا. أما أختي الصغيرة فكانت دوما تتساءل: لماذا يكرهنا الصهاينة ويعاملوننا كالحيوانات ؟!

أتمنى أن يزول هذا الاحتلال الذي قتل الأبناء ويتّم الأطفال، وجعل البعض يعانون من مشاكلَ نفسية وجسدية . وإنني أقول دوماً: إلى متى ؟! إلى متى نبقى هكذا ؟ هل سنظل كل ليلة نعيش تحت هذه الظروف السيئة؟! نحن لا ننام ولا نستطيع الدراسة. فكل أمور حياتنا توقفت عند هذا الحد .

كيف نتصور أن تستيقظ أمي من نومها لكي تعمل إبريقاً من الشاي فلا تجد نقطة ماء واحدة في الخزانات؟ لماذا؟؟ لأن بعض الرصاصات الطائشة وشظايا القذائف قد ثقبتها جميعها، فلم يبقَ فيها شيئ. أما غرفة أخي فقد تكسّر زجاجُ نوافذها فأصبح يخاف من النوم فيها.

فأين نحن من أطفال العالم؟!!


 


 


 


 


 

شجاعة حجر

 

نسيبه خضر دواد صلاح                

الصف الرابع الأساسي ( مدرسة بنات الخضر الأساسية)

 

 

في منظر مهيب يجعل الشعرَ يشيب، وقف الحجر شامخاً يتحدى مجنزراتِ اليهود، فماذا سيفعلون بطفل حمل ذلك الحجر؟ أيكفيهم أن ينسفوه أو يحفروا له أَخدود.

والناس يرقبون من سيبدأ أولاً؟ يا للمفاجأة من بدأ؟! لقد بدأ الحجر! وصُعق مَنْ في المدرّعة من جنود هل قُلبت الموازين؟ ستة جنود مدرعين بأسلحة لا تُبقي ولا تذر في مواجهة حجر . يا إلهي ما أعجب الخبر!؟.

تراجعت مدفعيتهم في خِسّة وغدر إلى الوراء فأخرج جنديّ منهم بندقيته وهو يرتجف خوفاً، وصوّبها إلى الطفل، والطفل يقول لهم:  ردوا عليّ .  الويلُ لكم .  أين تفرون من القدر؟

 في الثامنة من عمره،  رثة ثيابه، مهترئ حذاؤه،  ومن عينيه يتطاير الشرر . صوّب الجندي بندقيته إلى الطفل وأصابت منه الصدر .  فوقع منه الحجر باكياً عليه ولاعناً رصاص الغدر.

انهم ينتظرون صيحةً أو لعنةً تنزل عليهم من السماء، أو أن يأتي طفلٌ آخر ليمسك بذلك الحجر.


 


 


 


 


 

إلى متى يا أبي؟!

 

مي إبراهيم خليل المغالة            

الصف العاشر ( مدرسة بنات ارطاس الثانوية)

 

أبي الحبيب، تحية وبعد،،

لا أعرف إن كنتَ ستسمعني من وراء حدود الدنيا، ومن خلف نجوم عالمنا، وهل ستصلك كلماتي المتعبة، ولكن بالرغم من كل ذلك أقول:-

لقد ذرفتْ عيناي الدموعَ وما زالت تذرف. فكل يوم أذوبُ من الألم ، وأنت في القلب، كالجرح في جسد طاهر. نزف الدماءَ وما زال ينزف. ستة أشهر أنتظر النسيان ولا يأتي. تأتي فقط روحُك الطاهرة لتخطّ على طيّات العمر ألفَ ابتسامة، ولترسمَ ألف دمعة.

أبي .  ما زلت أجلس بجانب شباك غرفتي.  ذلك الشباك الذي يطل على منازل المدينة. منذ بدء الانتفاضة كنا نجلس معاً، نشاهد تلك القنابل المضيئة، ونستمع الى أصوات الرشاشات الثقيلة والمدافع الكبيرة، وكأنها أمواج عاتية تتلاعب بتلك الغرفة الصغيرة. كنت أصرخُ من شدة الخوف، فكنتَ تحتضنني، وتمسح بيديك الرقيقتين دموعاً ارتسمت على وجهي. كنتُ أُحسّ بالأمان في أحضانك، وبين يديك. لكنك ذهبت.

ذهبتَ وخلفتَ وراءك حُلماً جميلاً ما زال يكبر حتى الآن . ذهبتَ وبقيتُ وحيدةً أجلس في كل ليلة لأُراقبَ مشاهد القصف الهمجي والقتل والدماء، وأصوات الأطفال التي ما زال صداها يتردد في مسامعي ليل نهار. أصواتاً ملؤها الخوف . أصواتاً امتزجت بالدموع الحارة . أقفلتُ الشباك، وأنزلتُ الستارة، واتجهتُ نحو التلفاز، فشاهدت ما هو أبشع . أشلاءً تُرمى هنا وهناك . دماءً تُلطّخ الجدران . أطفالاً وعائلاتٍ تُشرد. أباً يصرخ . أماً تنوح . طفلاً يبكي . وآخر يبحث عن أمه . ظهرت المذيعة فجأة لتقول:- أعزائي المشاهدين، نبثّ إليكم الآن، أحد المشاهد الفظيعة التي التقطتها عدسات كميراتنا في أرض النضال والثورة والانتفاضة، فلسطين. شاهدتُ طفلاً بعمر الورد، ينتشل الحجارة، وبقي أمام دبابة كبيرة. جندي إسرائيلي يلحق به، فيقع الطفل أرضاً . تدوس قدم الجندي جسده، والبندقية مصوبة نحو رأسه . تنطلق منها رصاصة مدوية، فتخترق رأس الطفل . هدأت نار الجندي . فرحل مخلفاً وراءه جسداً نازفاً، وروحاً مسافرة.

أبي . إن وجع المقارنات يقتلني . أبحث عن الهدوء فلا أجد سوى أصوات الطائرات النفاثة، والمدافع الضاربة، والقنابل المتفجرة . لا أجد سوى أصوات طلقات تائهة، لا تعترف بأي بريء . أبحث عن مشهد يبعث الأمان في نفسي، فلا أرى سوى دماءً نازفة وأجساداً هامدة وعيوناً باكية  وأفواهاً صارخة.

فإلى متى يا أبي سنظلّ هكذا؟!


 


 


 


 


 

قلبي والانتفاضة

 

فداء أمين               

الصف التاسع الأساسي( مدرسة بنات العبيدية الثانوية)

 

لم أرَ في حياتي كلها شعباً يكافح مثل شعبي، ولا أماً صابرة مثل أمي، ولا أخاً مجاهداً مثل أخي، ولا أباً يحمي بروحه وجسده طفلةً مثل أبي.

لا تبكِ يا أمي، يا أم المجاهدين الأحرار، لقد استشهد لك ابن، لكن هناك المزيد سوف يستشهدون ويضحون بأرواحهم من أجل القدس التي ستبقى، عاصمة الدولة الفلسطينية الأبدية.

قلبي يتمزق وينشطر إلى شطرين عندما أرى أمي تبكي أخي الأسير، وأخواتي يترملن حين يستشهد أزواجهن، وأماً تبكي ابنها الرضيع، الذي أصيب برصاص الاحتلال، وهي تقول: ما ذنب ذلك الطفل الرضيع، الذي لا يستطيع أن يحمل حجراً بيده الصغيرة، ولا يقول كلاماً سوى بابا و ماما، ولا يعرف سوى البراءة والحنان.

أتساءل الآن ما هي أحوال أهلي بعد أن قُصف منزلهم ؟ ما حال أبي بعد أن جُرفت حقوله وبساتينه، هل سيبقى صامداً كالأشجار أمام الرياح والعواصف، أم سينهار كجذع نخلة مرّ عليها الزمان اللعين، وأجبرها على السقوط أمامه راكعة ذليلة؟!.

أمي، أمي ماذا أقول لك؟ هل تفرحين لأن ابنك أصبح في جنان الخلد، أم أقول لك ابكي واحزني لأنك فقدت قطعة وأغلى قطعة من كبدك؟

أختي ماذا أقول لك؟ هل تفرحين لأن زوجك أصبح في جنان الخلد، أم تحزنين لأن أبناءك أصبحوا أيتاماً بلا أب يرعاهم ويعيلهم؟


 


 


 


 


 

مأساة عائلة

 

 

هزار خالد عورتاني                 

الصف الثاني عشر  ( مدرسة العدوية طولكرم )

 

كان يلعب في حديقة المنزل بين اخوته ورفاقه.. تتراقص الأغصان على أنغام ضحكاته البريئة العذبة، ويستمد الغدير صفاءه من صفاء عينيه الصغيرتين اللامعتين..

يحاول براء أن يمثل لعبة الكبار مع أصدقائه، يقلدون العدو الغاشم في اعتداءاته على أبناء الشعب الفلسطيني الأعزل بكل براءة الطفولة، فهذا ما يُحيط بهم وما نشأوا بين أحضانه.

دخل براء إلى المنزل بعد أن أغرب النهار، وامتلأت ملابسه ووجهه بالغبار، لتصيح به أمه ( أم كريم) قائلة: " أين كنت إلى الآن يا براء.. هيا اذهب واخلع ملابسك واغتسل، وأجب كتبك فإنها تناديك منذ الصباح.

كانت أم كريم تروح وتجئ في أرجاء المنزل الصغير المتواضع، قلقة على زوجها ( أبو كريم)، فقد خرج منذ السادسة صباحاً إلى عمله الشاق في البناء في المناطق المحتلة ( إسرائيل) ولم يعد حتى الآن .. يخرج أبو كريم فجر كل يوم إلى عمله، ليجلب قوته وقوت عياله الخمسة الذين ينتظرون عودته ليقفزوا مسرعين إلى حضنه الدافئ، ويأتي ابنه المحبّب براء من بين اخوته ليمسح له عرقه ويأخذ قبلة قبل نومه في المساء.

هاهي شمس الصباح بزغت أشعّتها لتملأ ذلك البيت الصغير أملاً وحيوية تتجدّد كل يوم بطلوعها.. ويصحو الأطفال بعد عناء أمهم في إيقاظهم ليرتدوا زي المدرسة، ويبقى براء في فراشه لا يرغب في النهوض، فتسرع أمه لتربت على رأسه بهدوء وتدغدغه بكل رقة وحنان حتى ينهض ويفتح عينيه على صورة أمه بملامح وجهها الحنون قبلها ثم بدأ ارتداء ملابسه مسرعاً كي لا يتأخر عن موعد حصته الأولى في مدرسته..

بدأ اليوم الدراسي كعادته، يدخل مدرس يلقنهم بعض المعلومات ومن ثم يأتي آخر.. وبعد انتهاء الحصة الثالثة مثل كل يوم يكون وقت الفطور قد حان، فيذهب براء ويشتري شطيرة من الجبن وكذلك عصير العنب الذي طالما كان يحبه، لأن لونه جميل جداً في نظر ذلك الطفل البريء الذي لم يدرك بعد ما معنى هذا الرمز " الأحمر الداكن". ينهي براء وجبته بسرعة هو وأصدقاؤه فيذهبوا إلى ساحة المدرسة ليلعبوا لعبتهم المسلية والتي يمثل فيها براء دور عربي وصديقه يمثل فيها دور جندي إسرائيلي يداهم العربي ويضربه، ولكن ، فجأة ودون سابق إنذار تتحول لعبتهم إلى مشهد حقيقي، حيث يقتحم عدد من الجنود الإسرائيليين المدرسة ويبدءون بضرب الطلبة بدون رحمة وبكل قسوة، ويمطرونهم بالقنابل المسيلة للدموع، ويلمح براء أحد الجنود وقد هم بضرب صديقه ( محمد) فيهرع لمساعدته، فيضربه الجندي محاولاً إبعاده عن محمد، ويُطلق عليه آخر عياراً نارياً مصيباً قدمه ليشلّ حركته، ويأتي حقير ثالث ليكمل عليه ويطلق رصاصة أخرى تخترق صدره الصغير. فيرمق الجندي الطفل براء بنظرة حاقدة وهو ينزف دماً، فيطلق عليه رصاصة ثانية تخترق رأسه بكل دم بارد، ليسقط براء شهيداً طفلاً ينضم إلى قافلة شهداء الأقصى.

في تلك الأثناء شعرت أم كريم بوخزه في صدرها جعلتها تقلق على زوجها وأطفالها ولكنها لم تعلم لماذا، وتابعت عملها إلى أن يؤكد خوفها سماع اسم ابنها في المذياع.

" انضمّ الطفل براء حسن البالغ من العمر سبع سنوات إلى قافلة شهداء انتفاضة الأقصى المباركة"

فتصرخ الأم الثكلى بحرقة براء.. ولدي.. إلى أين يا براء؟؟! وتسقط غائبة عن الوعي ويسرع جيرانها لإيقاظها

في هذه اللحظات يحاول أبو كريم التسلل عبر الحواجز الإسرائيلية للوصول إلى منزله، راغباً في صنع مفاجأة لزوجته وأطفاله بعودته باكراً حاملاً لهم بعض الحلوى ، ولكن يأتي جنود الاحتلال لينغّصوا عليه ويمسكوه أسيراً بعد فحص أوراقه الثبوتية التي تثبت أنه أحد سكان بلدة (خراص) في محافظة الخليل.. ويبدأ أولئك الشياطين بضربه ضرباً مبرحاً، فيسقط فاقداً الوعي من شدة الضرب، ويأتي شيطان آخر يريد أن يشبع ناظريه ببعض الدماء، فيكتم أنفاس " أبو كريم" بإطلاق ثلاثة عيارات نارية 800ملم تخترق صدره وتودي بحياته شهيداً ليلحق بابنه الذي لم يعلم بنبأ استشهاده أيضاً.

تصحو أم كريم وهي تصرخ وتنادي باسم ابنها وزوجها كأنها تشعر بما يجري لزوجها بعيداً عنها، ومن شدّة صدمتها، أُصيبت تلك المسكينة بنوبة قلبية، وتم نقلها إلى المستشفى. لحق بها أطفالها الأربعة متعلقين بردائها الفلاحي خوفاً من أن تذهب وتتركهم، وعلى إثر ذلك أصبحت أم كريم مشلولة عاجزة عن حماية أبنائها الباقين مما يُخفي لهم القدر من مصائب وويلات.


 

 

 

 

 
 
 
   

 

تم تصميم هذا الموقع سنة 2002 

تم تجديد الموقع سنة 2012 

حقوق الطبع لجميع صفحات هذا الموقع محفوظة لزينب حبش 2012